الاثنين، 17 نوفمبر 2025

قال الليل للكاتب إدريس أبو رزق

 قال الليل: أنا الحقيقة حين تنام الأقنعة.

حين اقترب الليل من نافذتها، لم يأتِ كعابرٍ خفيف، بل كشيخٍ يعرف الطرق المخفيّة إلى أرواح البشر. دخل غرفتها بخطواتٍ لا تُسمع، كأنه يعود إلى بيتٍ ترك فيه أسرارًا لم يجرؤ النهار على لمسها. ثم همس لها بصوتٍ يلمع في العتمة:


"أنا الحقيقة حين تنام الأقنعة."


رفعت رأسها بارتباك، كما لو أنها اصطدمت بمرآةٍ تكشف ما لم تعترف به قط.

قالت:

"وما الحقيقة التي يخشاها النهار؟"


ضحك الليل ضحكةً حزينة، تسقط على حواف النجوم، ثم أجابها:

"أنكم لستم أنتم إلا حين تنطفئ الأضواء.

في النهار، تتقنون التمثيل…

وفي الليل، تعودون إلى النسخة التي كانت تبكي ولم يسمعها أحد."


اقترب منها كظلٍّ يعرف مكان الوجع، وتابع:

"في النهار تُصالحون العالم، وفي الليل تحاسبكم أرواحكم.

في النهار تبتسمون خوفًا من الأسئلة، وفي الليل تبكون لأن أحدًا لم يسأل."


وضعت يدها على صدرها كأن الكلمات اخترقت شيئًا حاولت دفنه طويلًا.

فسألته بصوتٍ يرتجف:

"لماذا يوجع الليل أكثر من النهار؟"


قال بعمقٍ هادئ:

"لأن الحقيقة ثقيلة…

وليلكم هو المكان الوحيد الذي لا يحتمل الكذب.

أنا الذي أرى ما تخفونه عن الجميع:

رغباتكم الميتة، صمتكم الطويل، وحروبكم الصغيرة التي تُهزمون فيها وحدكم."


سال الدمع من عينيها دون مقاومة، فاقترب الليل أكثر وقال:

"لا تخافي… أنا لست عقابًا، بل مساحة للاعتراف.

قولوا لي ما لم يجرؤ أحدٌ على سماعه،

فأنا الوحيد الذي لا يضيّق صدره بضعفكم."


همست له:

"أخشى أن تعرفني أكثر مما أعرف نفسي."


فأجابها بصوتٍ يشبه لمسة يدٍ على جرحٍ قديم:

"كي تُشفى الروح، يجب أن تُرى كاملة.

النهار يطلب منكم أن تكونوا نسخة محسّنة،

أما أنا… فأحتضن ما تبقّى منكم."


سكت قليلًا، ثم قال لها كمن يترك حكمةً على وسادتها:

"عندما يجيء الصباح، لا تعودي قناعًا تامّ الإغلاق.

اتركي منفذًا صغيرًا للصدق…

كي لا تختنق حقيقتك مرة أخرى."


وغادر كما جاء…

هادئًا، شفيفًا، تاركًا لها ليلًا يشبه حضنًا أكثر مما يشبه ظلامًا.


الكاتب : إدريس أبورزق


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق