كتاب《 تعلّمتُ من زوجي 》
الفصل الثالث
تعلّمتُ من زوجي معنى «وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»
لم أكن أعرف تمامًا ما هي المودّة، ولا كيف تُصنع الرّحمة بين زوجين، حتى شاء الله تعالى أن يجتمع قلبي بقلب زوجي…
لم أكن أعرف أن الرّوح قد تتعلّم من روحٍ أخرى…
ولم أكن أدرك أنّ المودّة ليست زينة العلاقة، بل جوهرها،
وأن الرّحمة ليست ترفًا، بل ركيزةٌ تستند إليها القلوب حين تتعب.
حتى التقيتُ زوجي، الرجلَ الذي وضع الله في قلبه مساحاتٍ واسعةً من اللطف…
معه رأيتُ الوجه الحقيقي لكلمة «مودّة»، ورأيتُ في تفاصيله تفسيرًا عمليًّا لهذه الآية العظيمة، فقد أودع الله في قلبه نصيبًا زائدًا من الرّحمة والمودّة، ليهبها لي كلّما ضاقت بي الحياة.
فالمودّة… ليست عابرَ سبيلٍ يطرق بابنا ثم يغادر،
بل هي رِفقٌ يوميٌّ.
تعلّمتُ منه أن المودّة ليست كلمةً تُقال، بل فعلٌ يتكرّر…
هي ترجمةٌ للحب بطريقةٍ مختلفة كلّ يوم:
بصبره عليكِ،
باحترامه لَكِ ،
بتقديره لِأَلمِك ،
باحتوائه لك في ضَعفِكِ ،
بجبره لَكِ عند انكساركِ،
بتذكّره لما تُحِبِّين ،
وبإصراره أن يخفّف عَنْكِ ولو بكلماتٍ أو أفعالٍ بسيطة…
ومع زوجي – رحمه الله – رأيتُ كلّ ذلك جليًّا،
ورأيتُ كيف يمكن للزوج أن يكون وطنًا من المحبّة،
وأن يكون للرّوح دواءً، وللقلب سندًا، ولليوم معنى.
المودّة التي لا تُرى… ولكن تُشعَر.
المودّة ليست دائمًا كلماتٍ تُقال،
بل كانت معه أفعالًا تتسلّل برفقٍ إلى منتصف قلبي:
في نظرته التي يسبق بها سؤالي،
وفي التفاتته حين أتنهد تنهيدةً خفيفة،
وفي ابتسامته التي كان يضع فيها كلّ محبته لي.
وكان زوجي – رحمه الله – يجعل المودّة عادةً في حياته؛
يعرف متى أصمت، ومتى أصرخ دون صوت حين تدور معارك في داخلي،
ومتى أتعب، ومتى يمسكني حين أكون على حافة الانهيار،
ويعرف كيف يكون هو العالم كلّه حين تجتاحني الوحدة…
كان يقطف أجمل الكلمات ليضعها على جرحي حتى يلتئم،
ويختار ألطف الأفعال ليمسح عنّي غبار الأيام.
تعلّمتُ منه أن المودّة ليست شغف البدايات، بل دفءَ الاستمرار…
أن تحبّ أحدًا رغم أوجاعه،
ومع أوجاعه،
وبسبب أوجاعه.
ولذلك كانت الرحمة بيننا… هي تاج العلاقة.
رحمةٌ كانت أكبر من كل خلاف أو سوء فهم، وأعمق من كل عتب وكل تعب، وأسبق من كل كلمةٍ قد تجرح دون قصد.
كنت أرى في عينيه رحمةً لا يمكن وصفها…
رحمةً تجعله يختار اللين على القسوة،
والرفق على الشدّة،
والاستيعاب على العتاب.
تعلّمتُ منه أن الرّحمة ليست لحظةً، وليست مزاجًا يتقلّب حسب الظروف،
بل موقفٌ ثابت:
أن ترى ضعف من تحب فلا تشعره بأنه ضعيف،
أن تسمع خوفه فلا تزيده خوفًا،
أن تراه يبكي فلا تنظر إلى دموعه، بل إلى قلبه.
وفي مرضي… تُرجمت الرّحمة بكل معانيها.
لم يكن يحمل عنّي وجعي فقط،
بل كان يحمل خوفي وقلقي،
يحميني من ضعفي، ويهدّئ من روعي،
وكأنه يقول لي في كل مرة:
«أنا بجانبك، أنا دواؤك إذا انقطع الدواء، وأنا طبيبك إذا فشل الأطباء».
كانت الرّحمة في تفاصيله الصغيرة:
في طريقته بتهدئة توتري،
في احترامه لصمتي حين يثقل الكلام،
وفي صفحته البيضاء التي يغفر بها زلّات الأيام.
كان يقول لي دائمًا:
«الحب أثمن حين يُعاش، لا حين يُقال».
ولم يكن ذلك مجرّد كلام، بل منهج حياة…
عشتُ معه فيه كل معنى صادق للمودّة.
أمّا الرّحمة… فكانت الرفيقة الأعمق.
كان يتعامل مع قلبي كما يتعامل المرء مع شيءٍ ثمينٍ يخاف عليه أن ينكسر.
فالرّحمة ليست في المواقف الكبرى فقط،
بل في اللمسات الصّغيرة التي تترجم الحبّ بأصدق ما يكون.
كأن بيننا شيءٌ يشبه الخيط السري…
كلّما ضاع أحدنا، قادته رحمة الآخر ليعود.
تعلّمتُ منه أن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من اختلاف،
بل تلك التي لا تخلو من رحمةٍ ومودّة.
الرحمةٌ التي تُبقي القلوب متماسكة، حتى لو تباعدت الآراء أو اختلفت.
الرَّحمةُ الَّتي تَجعلُ الحبَّ أكبر من الغَضب فَيَصغُر الغضبُ ويتلاشى كُلَّما كبر الحبُّ وَعَظُم…
الرَّحمَةُ الَّتي تَجعَلُ القرب أَكبر مِنَ الكَلام، وَالصَّمتَ أَحيَانًا أَبْلغ مِنْ أَيِّ تعبير، والعهد أَكبر من كُلِّ تَعَبٍ أَوْ عَتَب.
رحمته بعد رحيله… لم تَرْحَلْ.
ظننت أن الرّحمة التي كان يمنحني إياها ستنتهي بفراقه،
لكنني اكتشفت أن الرّحمةَ الحقيقية لا تفنى،
وأن المودّة التي تجذّرتْ في القلوب تبقى تطرحُ ثمارها،
حتى لو غابتْ الأجساد ورحلتْ.
لِأَنَّ المودّة والرّحمة… علاقةٌ تَنْمُو لَا علاقة تتوقَّف،
كالشّجرة الَّتِي تُسْقَى كُلَّ يوم،
فَتَنْمُو بالرّفق،
وتكبر بالاحترام،
وَتزهرُ بالتّسامح.
تبقى في الذّكرى،
وفي الدّعاء،
وفي الطّمأنينة التي تسكن قلبي كلّما ذُكر اسمه.
أَرَى وَأَسْتَشْعِرُ رحمته وموَدَّتهُ في تفاصيل تركها وراءَه:
في دَعمه الَّذِي مَا زال يحرسُ وَيَرْعَى خُطواتي كُلَّما تعَثَّرْتُ بين أَزِقَّة الحُزنِ وَالأَلَم، وَفِي دُروبِ اللَّيالي الحالكةِ الَّتِي تَضجُّ بالحُزنِ والفَقْدِ وَالحَنين القَاتل…
في كلماته الَّتي كانت ترويني بالصَّبْرِ كلَّما اشتَدَّ الأَنِين وَأَظْلَمَتِ الأَيَّام…
وفي أثره الذي ما زالَ يمسح على قلبي…
تعلّمتُ أن أكون رحيمةً كما كان،
أن أرى الحياةَ بعينيه حينَ تضيقُ بِي،
وأن أحفظ العهد الذي بيننا،
حتى يجمعنا الله جمعًا لا فراق بعده.
رحمك الله يا زوجي…
يا مودّة روحي،
ورحمة قلبي،
ويا أجمل ما وهبني الله في هذه الحياة.
وأصدق مَا علَّمتني الأَيَّامُ معناه.
وإن كنْتَ غبْتَ جسداً،
فالمودّة التي منحتني إيّاها ما زالت تسري في حياتي مسرى الدّم في الشّرايين،
والرّحمة التي غمرتني بها ما زالت تعلّمني كيف أجتهد وأحاول لأكون قوية …
حتى ألقاك في جنّة الرحمن، حيث لا فراق، إِنْ شَاءَ اللَّهُ...
يتبع........
بقلمي/ بيسان مرعي