( تُغلق المرافئ ويبقى الحنين )
كأن العمر سلسلة مرافئ نقف عندها ، نلقي أعباءنا ونسترد أنفاسنا ثم نمضي . بعضهم يرحل قبل أن نرتوي منه وبعض يظل عالقاً في الروح مهما طال الغياب . واليوم أجدني أمام مرفأ أُغلق بابه الأخير ، لكن الحنين إليه ظلّ مشرعاً كنافذة لا تعرف الانغلاق .
إن المرافئ ليست حجارة ولا جدران ، إنها أرواح استقبلتنا ذات يوم ومنحتنا الأمان . وحين تغلق تلك الأرواح أبوابها ، يبقى في الداخل صدى الضحكات ، ورائحة المكان وحرارة القلوب التي لامسناها . يغيب الشكل لكن الجوهر يبقى يتردد في ذاكرتنا كأنه نشيد لا يشيخ .
الحنين أعجب ما فيه إنه لا يحتاج إلى باب ليدخل ، ولا إلى دعوة ليعود . يكفي أن يمر طيف في الذاكرة حتى تتفجر فينا حياة كاملة من جديد . المرافئ تغلق حين يتعب أصحابها أو حين يفرض الزمن حكمه ، لكن الحنين لا يعرف الإقفال لأنه يسكن حيث لا سلطان لأحد في القلب .
كم هو موجعٌ أن تفقد مرفأً كنت ترى فيه انعكاسك أن تُطفأ أنوار مكانٍ كان يضيء عتمتك . لكن ما يعزينا أن أثره يبقى وأننا حين نغض أعيننا ، نستطيع أن نرسو فيه من جديد ، ولو على صفحة ذكرى .
تغلق المرافئ ، لكن من ذا الذي يقدر على إغلاق الحنين؟ إنه الباب الوحيد الذي يظل مفتوحاً أبداً ، حتى حين تغلق الحياة نفسها علينا .
✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش