ألمخصي..
عقيل هاشم..العراق
معيوف المخصي وجدته في بيت جدي يوما ما ، كان شابا ظريفا، كثيراً ما كان يجعلنا نمسك بطوننا من الضحك من نكاته اللاذعة، واستمر معيوف يعيش بيننا سعيد جدا ، ونحن أيضا سعداء به ، يشيع وجوده في البيت جواً من المرح ، يسهر معنا إلى ساعة متأخرة من الليل ، وفي كل هذه المرات كان يشاركنا بمزاحه ومداعباته ، ويبدو أنه كان أسعدنا جميعا أضحى يطيل الجلوس في البيت يؤدي واجباته بانتظام، الغريب ان معيوف كان مولعاً بالنساء ينتقل بينهن بخفة ، ويوم يدعى الى حفل زفاف يلبس فستانه الابيض ، قماشه مخملي مرصع بالنمنم ، مزركش ويرقص بفرح ، يطوح جسده في الهواء بخفة وسط تصفيق حار ، وعندما يهدأ يستمع الى حوارتهن المسلية ليلة الخميس ، بعد ان يكون قد اكمل تنظيف وترتيب البيت بشكل يفوق عمل ربة بيت فائقة التدريب ، معيوف لا يفارق وجهه مكياج النساء من البودرة الوردية الى أحمر الشفاه ومرود كحل العين ، كان يغار من يتغزل بالنساء وهو المعجب بجماله ، كثيرا ماكان يقف امام زجاج المرايا ويستعرض جسده الغض ، وحين ينتهي يمر بزوجات جدي يضاحكهن ويغازلهن فى مرح كان مسالما لا يؤذي أحدا البتة ، وحين تساله عن مسقط راسه يتحول ضحكه ومزاحه وإشراق وجهه إلى حزن وكآبة وانعزال ، يستدر الشفقة من الكبير والصغير،كان يتعلل للجميع بحجج واهية ، كانت أمي تلاحظ ذلك فتكاد تنفجر غيظاً ثم تغرق في الصمت، ثم ينتفض هاربا الى مخدعه ، جدي يلوم من يحدثه عن ماضيه ،انتم لاتريدون أن تتركوا الشابى في حاله.
أما عن قصته فيحدثنا جدي عنه ، كان هذا المعيوف وقبل مجيء زوجتي الاخيرة الى هنا ، جلبته معها ليساعدها في نقل عفش الزواج من القرية إلى المدينة ، وليعيش بيننا كواحد منا ،قيل أنه هرب من عقوبة الشيخ له حينما كان معيوف يعمل في مضيف الشيخ ، فقد تعلم تحضير القهوة واتقن مكوناتها ، وفي الليل يعود الى بيت الشيخ حاملا متطلبات عائلة الشيخ ، وصادف مرة ان الشيخ تتبعه فوجده يمازح محظياته فغضب الشيخ وامر باخصائه حتى لايعود لفعلته هذه ، وتم له ذلك ،وحين وصل بيتنا أصر علي عدم العودة للقرية ،وحينها أصرت زوجة جدي الشابة والتي تصغره بسنوات كثيرة على تواجده معنا، وتم لها ما أرادت ،اما فى القرية ظل والى الآن حديث معيوف تلوكه الألسن في تلذذ ، ولسانهم لم يهدأ بعد. ويوم فارقنا معيوف كان يومها كئيباً ، رأيت فيه أمي لأول مرة تبكي بصوت مرتفع ، وقد بكيت لبكائها ، أما جدي فكان يخفي شعوراً حزيناً في أعماقه ، فكانت كمن فقد عزيزا عليه ،الكآبة والنحول والشحوب أصاب العائلة ، وفقدنا الابتسامة في جلساتنا بينما ظل الحزن في القلب ، وعن سبب غيابه عنا ، تحدث جدي عن عجزه عن اتمام مهام العائلة بسبب شيخوخته المبكرة ، وغربته عن هذه الحياة ولم أدع جدي يكمل ، كان يتألم ، فأومأ لي بالكف عن الكلام ودمعة تكاد تطفر من عينيه ، ولكنها لم تسقط ، كان بداخلي يقين بأنه سيشتاق لحنو ألعائلة ويعود،قال جدي قد عرفت لاحقا ان هذا المعيوف لا يمكنه ان يستكين في مكان واحد ،هو دائم التجوال تماماً كالطائرات الورق عندما تتخلى عن أصابع طفلٍ كانت منذ قليل تحتضن خيوطها فتتركه هنالك عند الشاطئ البعيد وحيداً، بهذا أخبرني وهو زائغ النظرات، متلجلج الصوت، ثمّ فجأة توقف عن الكلام، ووضع وجهه بين يديه، كأنما يريد أن يشكرنا على حسن الضيافة له، ودعته على امل اللقاء عندئذ غرس نظراته في عيني وهو يتكلّم ببطء: يجب أن أرحل الان ،وقد تغيّرت ملامح وجهه، وبإشارة من يده فهمت أنه يريدني أن أقرّب أذني من فمه، ففعلت. همس بجديّة تامة ،حان موعد الرحيل ،بصوت يشبه الفحيح، ثم اردف قائلا في احدى الصباحات غادرنا بعد عناق حّار بيننا ،قال لي استودكم الله ، غادر عتبة الباب ، وعندما استدار لمحني في الشبّاك، فلبث واقفا، محدقا في وجهي، ثمّ نكس رأسه، وبدا كأنه يمسح دموعا تسيل من عينيه اللتين غطّاهما براحتي يديه ، هجرنا معيوف مثل حمامة بيضاء إنسحبت خِلسة من سربها بحثاً عن رفيق قد لا يأتي.