مَرْثِيَّةُ العِطْرِ الأَخِير..فِي جَنَاحِ الحُرَّة
******************************
فِي مَدْخَلِ الحَمْرَاءِ كَانَ المَوْتُ يَبْدُو..
كَفَرَاشَةٍ مَخْمَلِيَّةٍ تَلْهُو عَلَى جُثَثِ المَرَايَا
وَعَائِشَةُ المَلِيْكَةُ.. تَجْرُدُ التَّارِيْخَ مِنْ أَثْقَالِهِ
وَتَلُفُّ أَندَلُسَاً بِثَوْبِ رَحِيْلِها..
قَالَتْ: انْتَهَيْنَا..
وَانْسكب عِطْرُ المُعَتَّقُ مِنْ قَارُورَةِ الزَّمَنِ الذَّبِيح
أَيُّ جَنَاحٍ هَذَا؟
الأَسْقُفُ.. غَابَاتٌ مِنَ الدَّانْتِيْلِ الصَّخْرِيِّ
تَتَدَلَّى مِنْهَا عَنَاقِيدُ الضَّوْءِ المَصْبُوبِ
وَالزُّجَاجُ المُعَشَّقُ يَشْرَبُ حُمْرَةَ الشَّمْسِ الغَارِبَةِ..
فَيَبْدو كَعَيْنِ امْرَأَةٍ تَبْكِي خِيَانَةَ الفُرْسَانِ
وَالنَّافُورَةُ.. ذَاكَ القَلْبُ الرخامي النابض
تَزْفِرُ لُؤلؤها المَنْحُورَ
تَشْهَقُ مَاءً.. وَتَزْفِرُ دَمْعَاً سُلْطَانِيا
كَمَا لَوْ أَنَّ القَصْرَ كُلَّهُ.. يَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنْ آثَامِ البَنِيْن
كَيْفَ لِحَجَرٍ أَنْ يَكُونَ نَاعِمَاً كَخَدِّ عَرُوس؟
كَيْفَ لِلأَنْدَلُسِ أَنْ تَنْزَلِقَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِنَا..
كَمَا يَنْزَلِقُ الكُحْلُ مِنْ عَيْنٍ أَرْهَقَهَا السَّهَر؟
غَرْنَاطَةُ.. يَا قَارُورَةَ العِطْرِ التِي انْكَسَرَتْ
فَمَلأَتِ الدُّنْيَا خِيَانَةً وَياسَمِيْنَا
عَائِشَةُ تَنْظُرُ لِلأرَائِكِ.. لِلنُّقُوشِ الكُوفِيَّةِ
تَقْرَأُ... لا غَالِبَ إِلا الله..
وَتَبْتَسِمُ سُخْرِيَةً مِنْ غَالِبِينَ بَاعُوا السَّيْفَ بِالدِّيْبَاجِ
تَقُولُ لِابْنِهَا..
ابْكِ مِثْلَ النِّسَاءِ مُلْكَاً مُضَاعَاً..
لَمْ تَحْفَظْهُ كَمَا تَحْفَظُ الأُسُودُ عَرِيْنَهَا
يَا وَيْحَنَا..
نَحْنُ الذِيْنَ جَعَلْنَا الشِّعْرَ سُورَاً لِلمَدَائِنِ
وَنَسِيْنَا أَنَّ الخُيُولَ.. لا تَقْتَاتُ عَلَى القَصَائِد
الآنَ يَرْحَلُ آخِرُ الظِّلِّ
يَنْطَفِئُ المِسْكُ فِي المَجَامِرِ
وَتَبْقَى الحَمْرَاءُ.. يَتِيْمَةً فِي صَدْرِ التَّارِيْخِ
تَحْكِي لِلسُّيَّاحِ عَنْ شَعْبٍ كَانَ يَسْكُنُ الخَيَالَ
ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجْأَةً.. لِيَجِدَ نَفْسَهُ مَطْرُودَاً مِنْ جَنَّتِهِ
لأنَّهُ أَرَادَ لِلطَّيْرِ أَنْ يَحْرُسَ القُصُور..
بَيْنَمَا الصُّقُورُ.. تَنْتَظِرُ اللحْظَةَ الخِيَانِيَّةَ الكُبْرَى
وَدَاعَاً يَا غَرْنَاطَة..
وَدَاعَاً أَيُّهَا المُلْكُ الذِي كَانَ رَقْصَةً بَيْنَ مَوْتَيْنِ
مَضَى الزَّمَانُ.. وَبَقِيَ العِطْرُ فَاضِحَاً لِلرَّاحِلِين
بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري