الخميس، 26 مارس 2026

Hiamemaloha

خريف الجسد ربيع البصيرة للدكتور محمد شعوفي

 خريف الجسد.. ربيع البصيرة. 


​يظنُّ الكثيرون أن الزمن عدوٌّ يغزو الجسد، بينما هو في حقيقته صديقٌ صامتٌ يهذّب الروح.

أقفُ اليوم أمام المرآة، لا لأحصي ما غيّره الزمن في ملامحي، بل لأتأمّل ما أضافه إلى كينونتي من عمقٍ وهدوء.

لم تعد الشيخوخة بالنسبة لي هاجساً خفياً، بل صارت تجربةً حيّة تُعيد صياغتي من الداخل، وتدعوني لأن أرى الحياة بعينٍ أكثر صفاءً، وأقرب إلى حقيقتها التي لا تُدرك إلا بعد طول صحبة مع الأيام.

كيف لنا أن نعتبر الزمن عدواً وهو الصديق الحكيم الذي يفتح لنا أبواب الوجود حين نظنُّ أنَّ النوافذَ قد أُغلقت؟

في صمت المراحل التي تلي العاصفة، أجدني أُعيد تشكيل علاقتي مع الحياة، فأكتشف أن هذه المرحلة ليست ركوداً يلي الجريان، بل هي نهرٌ صافٍ يتعمَّق في مجراه بعد أن كان سيلًا عارماً.

هنا، حيث يتباطأ الإيقاع ويمنحني الزمن امتياز التأنّي، أجدني أمام تجربة وجودية لا تشبه شيئاً مما سبقها، فلم تعد الأيام مجرد تراكم رقمي، بل هي نداءٌ لإعادة اكتشاف الذات.

أدركتُ مع هذا التحوّل الهادئ أن ما كنتُ أعدّه خسارةً لم يكن إلا إعادة ترتيبٍ خفيّة لما يستحق أن يبقى، وكأن الزمن لا يأخذ مني بقدر ما يخفّف عني، ولا ينقصني بقدر ما ينقّيني من زوائد الطريق.

فهل كان الشباب إلا رحلة من التراكم، وهل الشيخوخة إلا رحلة من التحرر؟

في هذه التجاعيد، لا أرى أثراً للإنهاك، بل خرائط لطرقٍ سلكتها، وحكاياتٍ عاشها وجهي قبل أن تتحول إلى ذاكرة، وفي ضعف الجسد أكتشف قوةً للروح لم تكن لتظهر لولا أن تكسرت قشور القوة الظاهرية.

لعلّ أجمل ما تمنحني إيّاه هذه المرحلة هو هذا الصلح العميق، فلا أعود في صراعٍ مع ما كنت، ولا في قلقٍ مما سأكون، بل في سكينةٍ مع ما أنا عليه الآن.

لقد صار قبول وجهي الجديد فعل شجاعة يومي، وامتناناً لجسدٍ وفيٍّ حملني عبر المعارك والآلام دون أن يتخلَّ عني.

إنَّ الشيخوخة هي فنّ التخلّي عن كل ما ليس جوهرياً، فهي التخلي عن الطموحات الزائفة، والغضب العابر، والرغبات التي تستهلك القلب ولا تترك فيه سوى رماد الإرهاق.

وفي المقابل، هي فنّ التمسُّك بما يبقى حيّاً: دفء العلاقات الصامدة، جمال البساطة، وصدق اللحظة التي لا تعوض.

أرى الحياة الآن من قمة جبل العمر، فأفهم الوديان التي تعثرتُ فيها، والقمم التي ظننتها نهاية الطريق فإذا بها مجرد محطات، وأتعلم أن أكون ضيفاً كريماً على اللحظة، لا أقاتل الزمن بل أماشيه بهدوء.

ومع هذا الصفاء، يتبدّل ميزان الأشياء؛ فلا أبحث عمّا يلمع، بل عمّا يبقى، إنها ليست انكساراً، بل اكتمالاً، وليست أفول الضوء، بل توهجه بلون أكثر دفئاً.

أمارس هذا الفن يومياً بابتسامة للمرآة، وبنقل الخبرة إلى الأجيال الشابة دون وصاية، فلا أقدمها لأنهم بحاجة إليها، بل لأن ما عندي صار عطراً لا يكتمل إلا إذا انتشر.

أحتضن التحولات بقلب مطمئن، كما يحتضن البحر تغيرات الساحل دون أن يفقد عمقه، فلنحتضن هذه المرحلة كشهادة حيّة على أن الروح لا تشيخ، بل تزداد حيوية كلما تجردت من الأوهام.

وفي ختام هذا التأمل، أوقن أن الشيخوخة هي اللحظة التي أتصالح فيها مع الحياة كما هي، لا كما أردتها يوماً.

هي الفصل الذي نكتبه بدم بارد، وقلب دافئ، وعينين رأتا ما يكفي لتعرفا كيف تنظران إلى الجوهر.

إنها اكتمال دائرة النور، والرضا الكامل بما كان، وما هو كائن.

​بقلم:

د. محمد شعوفي

26 مارس 2026

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :