سِفْرُ الضَّوْءِ فِي صَدْرِ الظَّلَامِ
فَسُبْحَانَ مَنْ أَوْقَدَ فِي الفُؤَادِ نَارًا،
لَا تُطْفِئُهَا الأَزْمِنَةُ، وَلَا تَحْجُبُهَا الظُّلُمَاتُ.
قَلْبِي خَشَبٌ مَصْقُولٌ صَنَعَتْهُ المِحَنُ،
تَجَلَّتْ فِيهِ نِيرَانُ الحُبِّ، فَصَارَ مِصْبَاحًا لِلدُّجَى.
يَا نَارَ العِشْقِ، كُونِي سَبِيلِي،
وَاشْهَدِي أَنِّي أَحْتَرِقُ وَلَا أَنْطَفِئُ.
إِنِّي أُقِيمُ فِي لَهِيبِكِ صَلَاتِي،
وَأَرْفَعُ بِرَمَادِي تَسْبِيحَ المَحَبَّةِ.
تَرْقُصُ رُوحِي عَلَى الجَمْرِ،
كَمَا يَرْقُصُ الفَجْرُ عَلَى أَطْلَالِ اللَّيْلِ.
تَسْقُطُ خُطَايَ فِي الطَّرِيقِ،
وَيَرْفَعُنِي النُّورُ كَأَنِّي جَناحُ نَجْمٍ
تَابِعٌ لِسِرِّهِ الأَعْلَى.
فِي مَدَائِنِ الغَرَامِ تَقُومُ مِئْذَنَةُ الشَّوْقِ،
تُنَادِي العَاشِقِينَ مِنْ صَدْرِ الجَمْرِ:
«هَلُمُّوا إِلَى النُّورِ، فَإِنَّ النَّارَ رَحْمَةٌ لِمَنْ أَحَبَّ!»
شُعْلَةٌ تَسْكُنُ لَيْلَ الأَرْضِ،
تَطْرُدُ سَوَادَهُ،
وَتَغْرِسُ فِي الصَّدْرِ صَبَاحًا.
كُلَّمَا حَاصَرَنَا العَتْمُ،
أَوْقَدَتْنَا الأَمَلُ،
فَسِرْنَا نُغَنِّي كَأَنَّنَا أَوَّلُ الخَلْقِ.
نَمْتَطِي بَرْقَ العِشْقِ فِي المَسَافَاتِ،
فَنَرَى الزُّهُورَ تَنْبُتُ فِي جَوْفِ الحِصَارِ،
تَشْرَبُ نَارَهَا كَمَنْ يَشْرَبُ الإِيمَانَ صَبْرًا.
تَشْتَكِي الظَّمَأَ، وَلَكِنَّهَا تَتَفَتَّحُ وَجْدًا،
فَتُزْهِرُ الدُّمُوعُ عَلَى صُخُورِ المَحْنَةِ،
وَتُنْبِتُ الحُلْمَ فِي رَحِمِ الْحَرْبِ.
قَلْبِي جِذْعٌ لَا يَهْوِي،
يَحْمِلُ البَدْرَ عَلَى كَفِّهِ،
وَيَسْتَقْبِلُ نَسَمَةَ اللهِ بِصَبْرِ الأَنْبِيَاءِ.
فِي حَنَايَاهُ بَيَاضٌ يَشْهَدُ أَنَّ الوِدَّ مِيثَاقٌ،
وَأَنَّ القُبْلَةَ آيَةُ نُورٍ لِمَنْ أَبْصَرَ المَغْنَمَا.
إِنَّ شَرِيعَةَ العِشْقِ مَا حَادَتْ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ،
يَتْلُوهَا العَاشِقُ كَمَا يَتْلُو النَّبِيُّ سُورَةَ النُّورِ،
فَيَرْفَعُ مِنْ أَسْرِهِ جِسْرًا،
وَيُوصِلُ الرُّوحَ إِلَى سَلَامٍ لَا يُدَنِّسُهُ الشَّكُّ.
دُخَانُ شَمْعَةٍ يُرِيكَ أَنَّ الضُّعْفَ قُوَّةٌ،
وَأَنَّ الرِّقَّةَ سِلَاحُ الأَنْقِيَاءِ.
مِنَ الدَّمْعِ تَتَوَلَّدُ الفَرَاشَةُ،
تَكْسِرُ لَيْلًا مِنْ زُجَاجٍ،
وَتَسْبَحُ فِي نَارٍ تُسَبِّحُ مَعَهَا.
وَتَبْقَى الوَرْدَةُ فِي اللَّهَبِ خَالِدَةً،
تُجَادِلُ النَّارَ بِالْعِطْرِ،
وَتَرْفَعُ جَمَالَهَا دُعَاءً إِلَى السَّمَاءِ.
وَإِذَا نَطَقَ القَلْبُ بِالْهَوَى،
قَالَتِ العُيُونُ: آمَنَّا،
فَسَكَبْنَا الحُبَّ فِي الأَرْضِ،
فَأَزْهَرَ الإِيمَانُ فِي كُلِّ جِهَةٍ.
فَسَأَلْتُ رَبِّي مَنْزِلَةً لِهَذَا العِشْقِ،
يَرْضَى بِهَا الرَّبُّ،
وَلَا تَخْشَى فِيهَا النُّفُوسُ النَّدَمَ.
مَنْزِلَةً يُكْتَبُ فِيهَا الجَمَالُ شَهَادَةً،
وَيَكُونُ الحُبُّ فِيهَا طَرِيقًا إِلَى السَّلَامِ.
بقلم: خالد عيسى