فقهُ المسافات
لم أعد أزن الأشياء بقدر ما تُقاربني،
بل بقدر ما تُنجيني.
أتعامل مع ما أحب كقارئٍ على حافة النار؛
أرى الجمال… ولا أضع يدي فيه كاملة.
فالقرب ليس وعدًا بالدفء،
بل احتمالٌ دقيق للاحتراق.
أمدُّ بيني وبين كل ما يلمع خيطًا من الحذر؛
لا لأنني فقدتُ دهشتي،
بل لأنني تعلّمت أن بعض الانبهار
يُضيء لحظة…
ثم يتركنا أقلَّ مما كنّا.
ليس كلُّ ضوءٍ أمانًا؛
بعضه يكشفنا دفعةً واحدة،
كأنّه يختصر الطريق إلى هشاشتنا،
ويتركنا مكشوفين أكثر مما نحتمل.
لهذا صرتُ أترك للأشياء حقّها في البُعد،
كمن يُبقي بابًا مواربًا في وجه العاصفة…
لا خوفًا من المطر،
بل خشيةَ أن يتحوّل البلل
إلى محوٍ لا ينجو منه أحد.
وهنا فهمتُ—بقسوةٍ تشبه نضجًا متأخرًا—
أن بعض ما ننجو منه
ليس ما نتركه،
بل ما نقترب منه أكثر مما ينبغي.
ليست المسافة هروبًا،
بل وعيٌ بأن القلب،
حين يُعطى بلا عتبة،
يصير أرضًا مستباحة.
في كل مرةٍ انخرطتُ فيها حتى الذوبان،
عدتُ بنقصٍ خفيّ…
كأن شيئًا مني انسحب بصمت،
وتركني بملامح لا أعرفها،
ولا أستطيع إنكارها.
الذوبان لا يسرقنا دفعةً واحدة؛
بل يُقنعنا أولًا أننا ما زلنا كاملين،
بينما نحن نتناقص بهدوء.
لذا، لم أعد أُسلّم روحي دفعةً واحدة؛
أترك منها ما يكفي
لأعود إليّ
إن انطفأ كل شيء.
أحتفظ بشرارةٍ صغيرة في جيبي…
لا لتُنير الطريق،
بل لتشهد أنني
لم أنطفئ تمامًا.
لم أعد أختبر بقائي في الآخرين،
بل قدرتي
على ألا أختفي فيهم.
أعيد ترتيب القرب
كما يُعيد المسافر أمتعته على حافة طريقٍ مريب؛
لا لأن الوصول مستحيل،
بل لأن الوصول
لا يَعِد بالعودة.
ثم أدركتُ حقيقةً أشدَّ صراحة:
ما يؤلمنا ليس دائمًا ما يأتينا من الخارج،
بل ما نسمح له
أن يعبرنا بلا حارس.
الخذلان لا يأتي دائمًا في هيئة قسوة،
بل قد يتشكّل
حين نعبر حدودنا بصمت،
ونقيم طويلًا
في مسافاتٍ لا تُشبهنا.
لهذا اخترتُ أن أُحبّ دون أن أذوب،
وأن أقترب دون أن أفقد ملامحي؛
تاركةً بيني وبين ما يستهويني
فاصلَ نجاةٍ خفيّ…
أعودُ منه إليّ،
كلما حاول العالم
أن يأخذني
أكثر مما أحتمل.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪