. المَحَبَّةُ
* النَّسْمَةُ الأُولىٰ *
إِنَّ الْمَحَبَّةَ تُرتَقِي النَّفسَ فِي تَسْبِيحَةِ الرُّوحِ النُّورَاءِ،
تُرَقِّيهَا ثَمَرَةً مُعَلَّقَةً عَلَىٰ غُصنِ شَجَرَةٍ مُشْتَهَاةِ الْقَطفِ لِمَائِدَةِ أَفْئِدَةِ الْقَلبِ،
تُعَلِّمُهَا أَنَّهَا حَالَةُ سُمُوٍّ حِينَ التَّجَرُّدِ مِنَ الظُّلمَةِ فِي عُرَاءِ النُّورِ،
أَنَّهَا ٱنكِشَافُ الْوَعي عَلَىٰ طُمَأْنِينَةِ السَّلَامِ لِحَقِيقَةِ الْوُصُولِ لِذُروَةِ الْعُليَاءِ،
ٱنصِهَارُ مَعدِنِ الْحُوبَاءِ لِلُبِّ حَقِيقَةِ النَّسْمَةِ لِطَرحِ الْأَدرَانِ،
الْخُرُوجُ إِلَى الْحَيَاةِ كَمَا جَنَاحَا الْفَرَاشَةِ مِنْ ظُلمَةِ الشَّرنَقَةِ لِوَاسِعِ ضِيَاءِ الْفَضَاءِ،
جُودُ الْأَندَاءِ كَمَا النَّحلَةُ عَلَىٰ رَحِيقِ الْأَزهَارِ لِمَعسَلَةِ الْعَطَاءِ،
ٱنصَافُ التَّمَاثُلِ إِذِ الْكُلُّ فِي الدَّورَةِ سَوَاءٌ أَسْوِيَاءُ،
كَنِقَاطِ الدَّائِرَةِ حَوْلَ نُقْطَةِ التَّطَوَافِ،
لَا يَعلُو مُحِبٌّ عَلَىٰ مَحبُوبٍ،
إِنَّ فِي هَذَا خَالِصَ الٱنتِمَاءِ،
الْكُلُّ يُولَدُ مِن وَاشِجَةِ الطَّبِيعَةِ لِيَسْكُنَ فِي الْكُلِّ بِأَنقَىٰ الصَّفَاءِ،
كَحَبِّ الْحِنطَةِ فِي خَضِيلَةِ بُصرَىٰ التُّربَاءِ،
الْكُلُّ يَحتَرِقُ فِي أَتُونِ جَمَالِ الٱتِّصَالِ لِرَمَادِ الٱرتِحَالِ،
كَمَا الشَّمعَةُ إِذ تَخْلُقُ النُّورَ وَسْطَ الظَّلَامِ،
هُنَاكَ لِشَهْدِ حَيَاةِ الْأُلْفَةِ يَكُونُ الٱرتِقَاءُ،
يَكُونُ الصُّعُودُ نُورًا فَوقَ خَاطِفَةِ الْمَوتِ،
فوق التَّلَاشِي فِي ضَبَابِ الْفَنَاءِ،
هُنَا تَتَلَاشَىٰ بَينَ الْمُحِبِّينَ طَاقَةُ الظُّلمَاءِ،
لَا أَنَانِيَّةَ مِنْ أَطمَاعٍ جَربَاءَ،
لَا ٱرتِبَاكَ مِنِ ٱضطِرَابٍ عَميَاءَ،
لَا كَرَاهِيَةَ مِنْ سُفْلِيَّةِ نَفْسٍ غَبرَاءَ،
لَا أَخْبَاثَ مِنِ ٱجْتِمَاعِ بُلَهَاءَ،
يَصِيرُ الْإِنسَانُ عَلَىٰ الْحَقِيقَةِ إِنسِيًّا أَرفَعَ مِن أَيِّ كَائِنٍ سِوَاهُ مَا كَانَ،
يَصِيرُ إِنسَانًا أَسْمَىٰ مِن مَلَكٍ،
يَصِيرُ لَا بَشَرِيًّا أَدنَىٰ مِنَ الْحَيَوَانِ،
يَصِيرُ جَمَالَ جَسَدٍ وَإِنِ ٱتَّكَأَ عَلَىٰ عُكَّازِ الٱنهِدَامِ،
يَصِيرُ أَمهَاجًا كُلَّهَا فِي أَصفَىٰ النَّقَاءِ،
يَصِيرُ رَفِيقَ حَيِّ الضَّمِيرِ الَّذِي لَا يَغِيبُ،
يَصِيرُ سُمُوَّ الْأَنسَنَةِ وَكُلَّ جَمِيلِ حُسَّانٍ،
يَصِيرُ قِطَارًا يُحيِي بِذَارَ الْحَيَاةِ وَحَيثُ هُوَ يَزدَهِرُ النَّمَاءُ،
يَصِيرُ فَوقَ الْبَلَايَا وَالشَّقَاءِ حَيَاةً لِلمَسَرَّاتِ وَالرِّضَاءِ،
وَعيًا يُدرِكُ فِيهَا أَنَّهُ آيَةُ الْجَمَالِ فِي سِرِّ الٱنبِعَاثِ،
إِيهٍ يَا أَيَّتُهَا الْمَحَبَّةُ،
تَبعَثِينَ فِي سَدِيمِ الْوُجُودِ زَوَاهِرَ الْإِحيَاءِ،
تَمنَحِينَ نُورَ الْوَعيِ الْخَالِصِ لِلَّذِي فِيكِ يُقِيمُ بِصِدقِ الْوَفَاءِ،
تُضِيئِينَ سِرَاجَ ذَاتِ كُلٍّ بِرَوحَاءِ الهَنَاءِ،
تُضِيئِينَ كُلِّيَّةَ الذَّاتِ الْكُبرَىٰ بِمَسَرَّةِ كُلِّ نِعمَاءٍ.
من ديوان حديقة النور لمؤلفه :
المهندس فتحي فايز الخريشا