الأحد، 10 مايو 2026

Hiamemaloha

أرشيف الوجع للدكتورة راوية عبدالله

 "أرشيف الوجع: الخسارة التي لا تنتهي"


ثمة أوجاعٌ تمر على القلب ثم تمضي،

كغيمةٍ عابرةٍ تُظلل الروح قليلًا ثم تنكشف،

وثمة أوجاعٌ أخرى لا ترحل…

بل تستقر في أكثر الأماكن خفاءً،

وتجعل من نبض القلب نفسه تذكيرًا دائمًا بما كان يمكن أن يكون، ولم يكن.


ذلك هو الندم.


ليس مجرد حزنٍ على ما فات،

ولا حسرةً عابرة على قرارٍ أخطأنا في اتخاذه،

بل هو شكلٌ آخر من أشكال العيش خارج الزمن؛

أن يظل جزءٌ منك عالقًا هناك،

في لحظةٍ انتهت في ظاهرها،

لكنها لم تنتهِ فيك.


إنه الصدى الذي يختبئ في الفراغ،

فإذا سكت العالم من حولك

تكلم بما كان ينبغي أن يُقال.


يعود لا ليُذكرك بما حدث،

بل ليوقظ فيك ما لم يحدث،

ذلك الاحتمال الذي مات قبل أن يُولد،

وظل مع ذلك

قادرًا على إيلامك كأنه عاش حقًا.


وكأن الندم لا يكتفي بأن يذكرك بالخسارة،

بل يُعيد تشكيلها كل مرة بصورةٍ أشد قسوة،

حتى يغدو الماضي احتمالًا أكثر إيلامًا من الحاضر نفسه.


فالخسارة في حقيقتها لحظة،

تنتهي حين تقع.

أما الندم،

فهو الخسارة وقد مُنحت قدرة البقاء.


إنه أن يخسر الإنسان الشيء مرة،

ثم يظل يخسره كل يومٍ حين يستعيده في ذاكرته.


ولعل أقسى ما في الندم

أنه لا يترك القلب كما وجده.


إنه لا يطرق عليه الباب بعنف،

بل يتسرب إليه بهدوءٍ يشبه الرحمة،

حتى إذا استقر فيه،

أخذ يقتات من يقينه شيئًا فشيئًا.


يفسد ثقته بنفسه،

ويزرع الشك في أكثر قراراته براءة،

حتى يصبح المرء حذرًا من نفسه،

خائفًا من اختياراته،

كأن داخله خصمٌ يتربص به لا ذاتٌ تأويه.


وحين يطول الندم،

لا يعود متعلقًا بما خسرناه،

بل بما خسرناه من أنفسنا ونحن نندم.


وهنا تكمن الخسارة الحقيقية:


ليست في الشيء الذي مضى،

بل في العمر الذي نهبه لاستعادته عبثًا.


أن يتحول القلب إلى أرشيفٍ قديم،

يفتح الملف ذاته كل ليلة،

ويقرأ التفاصيل نفسها،

كأنه ينتظر أن يتغير السطر الأخير.


لكن الزمن لا يُعيد كتابة نصوصه

إرضاءً لحسرة قارئٍ متأخر.


ولهذا،

فإن النجاة من الندم لا تكون بإنكار الخطأ،

ولا بتبريره،

بل بالتصالح مع تلك الحقيقة المُرة:


أن بعض الدروس لا تدخل وعينا

إلا بعد أن يكون ثمنها قد دُفع كاملًا.


وأن النضج، في جوهره،

ليس أن نعيش بلا أخطاء،

بل أن نتعلم كيف لا نحول أخطاءنا

إلى سجونٍ أبدية.


فالندم،

حين يُفهم، يُهذب الروح.

وحين يُعبد، يُفنيها.


والقلب خُلق ليكون موطنًا للحياة،

لا مقبرةً لاحتمالاتٍ ماتت وانتهت.


لذلك،

ليس الشفاء أن تنسى ما خسرت،

بل أن تتذكره

دون أن تخسر نفسك مرةً أخرى.


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪


#راو

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :