كتاب 《تعلّمتُ من زوجي》
الفصل السادس عشر
« تعلّمتُ من زوجي أنَّ الوطنَ بيتاً أكبرُ من الجغرافيا»
لم أكن أعرف، قبل أن أعرفه، أنَّ للوطنِ قلبًا يمكن أن يخفق خارجَ الخريطة، وأنَّ للانتماءِ صوتًا لا يحتاجُ إلى حدودٍ كي يُسمَع.
كنتُ أظنُّ الوطنَ قطعةَ أرضٍ نولدُ فوقها، ونكبرُ داخلَ ملامحها، فإذا ابتعدنا عنها صرنا بلا ظلّ.
لطالما كنّا نعتقد، ونحن نتدارسُ خرائطَ العالمِ في كتبِ المدرسةِ القديمة، أنَّ الوطنَ هو تلك المساحةُ المحاطةُ بخطوطٍ سوداء، والمكتوبُ في قلبها اسمُ بلادي بخطٍّ عريض.
لكنَّ زوجي، رحمه الله، علَّمني أنَّ الوطنَ فكرةٌ تُحمَل، وذاكرةٌ حيَّةٌ تُصان، ووجعٌ لا يهرم، ومسؤوليَّةٌ لا تسقطُ بالتقادم ولا تُلغى بالنفي.
وأنَّه ليس مساحةَ أرضٍ فحسب، بل هو مساحةُ كرامةٍ في الروح.
علَّمني أنَّ الوطنَ هو قوافلُ الشهداءِ وأسماؤهم التي نحفظُها كأسمائنا، وآلافُ الأسرى القابعين في سجونِ الاحتلال ينتظرون شمسَ الحريَّة،
الوطنُ هو الخنساءاتُ اللاتي ولدن أبطالًا…
هو الأطفالُ الذين حملوا باليُمنى زجاجةَ الحليب، وباليُسرى الحجرَ والسكين…
لم يُعلِّمني زوجي حبَّ الوطنِ كما يُعلَّم في المدارس، ولا كما يُردَّد في الخُطَب، بل علَّمني إيَّاه كما يُعاش: وجعًا يوميًّا، وحنينًا مؤجَّلًا، ويقينًا لا يسقطُ أبدًا.
علَّمني أنَّ الوطنَ ليس خريطةً نُشيرُ إليها بأصابعنا، بل نبضًا نسكنُه ويسكنُنا، وإن ابتعدنا عنه قسرًا.
في الشتات، تعلَّمتُ أن نكونَ نحن الجغرافيا حين تُصادَرُ الجغرافيا، وأن نحملَ الأرضَ في صدورنا حين يُمنَعُ عنَّا ترابُها.
نحن الذين كُتِبَ علينا أن نُخبِّئَ الوطنَ في قلوبنا، قطعةً قطعة، وذكرىً ذكرى، حتّى نعودَ إليه فيحملَنا على كتفيه، ويُعيدَ لنا أسماءَنا التي سُلِبت عند حدوده.
كان زوجي يرى الوطنَ في التفاصيلِ الصغيرة:
في لهجةٍ لم يُفرِّط بها، في اسمِ قرانا ومدننا التي يُكرِّرها كنشيدٍ عذب، في طبقٍ يُطهى كما كانت تطهوه أمُّه وجدَّته، وفي دعاءٍ لا يُغلِقه إلّا بذكرِ الأرضِ وتحريرها.
علَّمني أنَّ اللجوءَ ليس مكانًا، بل حالة، وأنَّ أقسى أنواعِ الاغتراب أن تعيشَ بعيدًا عمَّا تحبّ، وأن تُجبَرَ على شرحِ وجعك بلغةٍ لا يفهمُها سواك.
في الشتات، كنّا نشعرُ أنَّنا نُشبِهُ أشجارًا اقتُلِعت من جذورها، لكنَّه رغم ذلك كان يؤمنُ أنَّ الجذورَ الحقيقيَّة لا تُرى، وأنَّها تمتدُّ في الذاكرةِ والدَّم، لا في الخرائط.
كان يقولُ لي: لسنا بلا وطن، نحن في طريقِ العودةِ إليه قريبًا بإذنِ الله.
فالوطنُ عنده ليس ذكرىً جامدة، ولا حنينًا باكيًا، ولا يُقاسُ بالمسافة، بل هو مسؤوليَّة.
مسؤوليَّةُ الثباتِ عليه في الغياب، والعهدُ بأن نكونَ أوفياءَ للفكرة، وللهويَّة، حتّى التحريرِ والعودة.
علَّمني زوجي أنَّ اللاجئَ ليس من خرجَ من أرضه، بل من خرجت الأرضُ من قلبه.
علَّمني أنَّ اللاجئَ ليس إنسانًا بلا أرضٍ ووطن، بل هو إنسانٌ يحملُ أرضه فوق ظهره أينما حلّ،
إنسانٌ بوطنٍ مُضاعَفِ الألم.
كان يحتفظُ بالحقيبةِ التي خرجَ بها أجدادُنا من الوطن قسرًا بذاكرته، حتّى يعودَ بها إلى الوطن…
بقي يحملُها معه أينما ذهب، يحميها من النسيان، ويُورِّثها للأبناء كما تُورَّثُ الأمانة: اسمًا، وحكايةً، وصمودًا، وتضحية.
في الشتات، نعيشُ على يقينِ العودة، لا على وهمِ الاستقرار،
ونُربِّي أبناءَنا على أنَّ البيتَ مؤقَّت،
وأنَّ الحقيبةَ لا تُفرَغُ تمامًا،
وأنَّ الوطنَ ليس حيث ننجحُ فقط، بل حيث ننتمي،
وحيث نُدفَن إن كُتِبَ لنا الدفنُ فيه يومًا.
تعلَّمتُ منه أنَّ العودةَ ليست مجرَّدَ رحلةٍ في حافلةٍ أو طائرة، بل هي فعلٌ يومي.
العودةُ هي أن نحافظَ على لغتنا نقيَّة، وأن نحكي لأطفالنا عن تفاصيلِ الشوارعِ التي لم نرَها، وأن نُعلِّمهم أنَّ التحريرَ يبدأُ من تحريرِ العقلِ من فكرةِ الهزيمة.
لقد جعلني أُدرِكُ أنَّنا لسنا «ضحايا جغرافيا»، بل نحن «أصحابُ قضيَّة» عابرةٌ للقارّات.
في عينيه، رأيتُ حلمَ العودةِ لا كأمنيةٍ مستحيلة، بل كحتميَّةٍ تاريخيَّة.
لم يكن حديثُه عن التحريرِ حديثَ الشعاراتِ الرنَّانة، بل كان حديثَ الإيمانِ العميق.
كان يقول: «المنفى هو حين ننسى لماذا خرجنا، أمّا ما دمنا نعدُّ الأيّامَ للرجوع، فنحن في رحلة، والرحلةُ مهما طالت أو قصرت، نهايتُها الدار».
علَّمني أنَّ الوطنَ ليس الجغرافيا وحدها، بل الروايةُ التي نُصرُّ على سردها لأطفالنا، كي لا يضيعَ الاسمُ في زحامِ اللغات، ولا تذوبَ الحكايةُ في بردِ المنافي.
كان يقول إنَّ الاحتلالَ لا يخافُ من السلاح فقط، بل يخافُ من الذاكرةِ الحيَّة، من اللاجئِ الذي يرفضُ أن يتحوَّلَ إلى رقم، أو إلى قصَّةٍ منتهية.
كان يُردِّدُ دائمًا بيقينٍ يهزُّ أركانَ مخيَّماتِ اللجوء:
«فلسطينُ في سويداءِ القلب… دونها شهداءُ أو على ثراها إن شاءَ الله من السعداء».
لم يكن يقولُها طلبًا للموت، بل إعلانًا للحياةِ الكريمةِ التي لا تُعاشُ بلا وطن.
كنتُ أسمعُها فأرتجف، لا خوفًا، بل رهبةً من هذا اليقينِ النقي.
تعلَّمتُ منه أنَّ هذا «السواد» الذي في حبَّةِ القلب ليس حزنًا، بل هو العمقُ الأصيلُ الذي لا يصلُ إليه أحد.
حين كان يقول «دونها شهداء»، كان يُعلِّمني أنَّ الوطنَ يستحقُّ الثمنَ الأغلى، وأنَّه لا يُستعادُ إلّا بالتضحية، وأنَّ الحريَّةَ مهرُها الدَّم، فكان قلبُه معلَّقًا هناك… حيث الأرضُ المباركةُ التي أحبّ…
وحين يبتسمُ ويقول «على ثراها من السعداء»، كان يفتحُ لي نافذةً من النورِ في عتمةِ الشتات؛ فالسعادةُ الحقيقيَّة لا تكتملُ إلّا بلمسِ ذلك الثرى الطاهر.
كان يؤمنُ أنَّ القلبَ الذي تسكنُه فلسطينُ لا يعرفُ المساومة، وأنَّ الطريقَ إليها، مهما طال، لا يخرجُ عن أحدِ احتمالين: إمّا نصرٌ أو شهادة، وكلاهما فوزٌ وكرامة.
وبعد رحيله، صارت جملتُه تسكنُني أنا، تطرقُ قلبي كلَّما أثقلني المنفى، وتُذكِّرني أنَّ من جعلَ الوطنَ في سويداءِ قلبه لا يموت، بل يتحوَّلُ إلى بوصلة.
لذلك حين استُشهِد زوجي قبل العودةِ للوطن، شعرتُ أنَّه لم يمت بعيدًا عنه، بل ارتقى وهو ممتلئٌ به.
ارتقى ولسانُ حاله يُردِّد:
نحن لسنا عابرين في المنافي،
نحن حملةُ وطنٍ مؤجَّل.
لا نملكُ ترفَ النسيان، ولا حقَّ التخلّي،
نحملُه في القلوب كي لا يضيع،
ونحيا عليه حتّى يأذنَ اللهُ بالعودة.
فشكرًا لزوجي، الذي علَّمني أنَّ «الجغرافيا» قد تُسلَب، وقد تُحتل، وقد تُسدُّ في وجهنا الطُّرقُ إليها، لكنَّ «الوطن» الذي هو الانتماء، والذاكرة، والحقّ، والكرامة… هو ملكيَّةٌ خاصَّة لا تطالُها يدُ احتلال ولا قسوةُ لجوء.
تعلَّمتُ منه أنَّنا نعيشُ في الشتاتِ بأجسادِنا، لكنَّ الشتاتَ لا يعيشُ فينا.
نحن أسيادُ الحلم، وعنوانُ الحقيقة، وأصحابُ الأرض، والوطنُ بالنسبةِ لنا هو تلك الفكرةُ التي لا تموت، والشمسُ التي مهما غابت، نعرفُ تمامًا من أين ستشرقُ في الغد.
ما نحنُ إلّا في مخاضٍ عسير، لكن من رحمه سيولدُ النصرُ والتحريرُ بإذنِ الله تعالى…
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ﴾
يتبع...............
بقلمي/ بيسان مرعي