كتاب 《تعلّمتُ من زوجي》
الفصل الثامن عشر
الإِرثُ الرُّوحيُّ والوجدانِيُّ والوطنيُّ الّذي تركه بي زوجي
لم يرحل زوجي حين غاب جسده، بل ظلّ حضوره عميقًا متجذّرًا في روحي…
لم يترك لي زوجي بيتًا أوسع، ولا مالًا يُحصى، ولا وصايا مكتوبة تُقرأ بعده، لكنّه تركني محمّلة بإرثٍ أثقل من الذهب، وأبقى من العمر نفسه.
إرثٌ لا يُحفظ في الصناديق، بل يسكن الروح، ويعيد تشكيل القلب، ويغيّر طريقة النظر إلى الوطن، وإلى النفس، وإلى الحياة كلّها.
ترك في الروح نقشًا لا يمحوه الزمن، وأثرًا لا تُطفئه المسافات، وإرثًا لا يُقاس بما يُورث من مال، بل بما يُورث من معنى.
إرثه في روحي لم يكن كلماتٍ قالها ثم مضى،
بل حياةً عشتُها معه، وتشكّلت بها دون أن أشعر.
كان يزرع القيم في التفاصيل الصغيرة، في المواقف العابرة، في صمته حين يكون الصمت حكمة، وفي كلامه حين يكون الكلام حقًّا.
ترك فيّ أثر الثبات…
ذلك الثبات الّذي لا يعلو صوته، ولا يتباهى بنفسه، لكنّه يقف شامخًا حين تميل الأيّام.
كان يؤمن أنّ الحقّ لا يحتاج إلى ضجيج، وأنّ الصدق لا يبحث عن تصفيق، وأنّ الطريق المستقيم قد يكون موحشًا، لكنّه الطريق الوحيد الّذي يستحقّ أن يُسلك.
ترك فيّ إرثًا روحيًّا، فعلّمني أنّ الإيمان ليس كلماتٍ تُقال عند الشدّة، بل ثباتٌ داخليّ لا يتزعزع حين تضطرب الأشياء من حولك.
كان إيمانه هادئًا، لا صخب فيه، ولا ادّعاء.
إيمان رجلٍ يعرف لماذا يقف، ولماذا يصبر، ولماذا يختار الطريق الأصعب دون أن يشتكي أو يتراجع.
ورثتُ عنه إيمانًا ناضجًا صادقًا،
إيمانًا لا يتزعزع عند أشدّ الخطوب، ولا يتكسّر على صخور الابتلاء، ولا يتاجر بالألم، إنّما يتاجر مع الله فيحتضن الألم راضيًا موقنًا بفرج الله ورحمته.
علّمني أنّ الرضا ليس استسلامًا فقط، بل فهمٌ عميق لحكمة الله، وأنّ الدعاء ليس طلبًا فقط، بل تسليم وطمأنينة.
إرثه في روحي كان وعيًا…
أن أرى الحياة بميزانٍ أدقّ،
بعده، صرت أفهم معنى التوكّل الحقيقي،
ليس ذاك الّذي يختبئ خلف العجز، بل التوكّل الّذي يسبق الفعل ويتبعه الرضا.
علّمني أنّ الدعاء سلاح المؤمن، وهو استعداد لدفع الثمن إن استُجيب…
وأنّ العلاقة مع الله لا تُقاس بطول الدعاء فحسب، بل بصدق النيّة حين يُعرض الاختبار.
أمّا إرثه الوجداني، فكان الأثقل حملًا، والأعمق أثرًا.
تركني أعرف نفسي أكثر، وأفهم قلبي على حقيقته.
علّمني أنّ القوّة ليست في غياب الحزن، بل في القدرة على حمله دون أن يتحوّل إلى قسوة.
بعده، صرت أُصغي لمشاعري بدل أن أهرب منها، وأفهم أنّ الدموع ليست ضعفًا، بل لغة أخرى للوفاء.
علّمني كيف يكون الحبّ مسؤوليّة لا تملك التراجع، حبًّا لا يُختصر في وجود الجسد، بل يستمرّ حين يغيب.
حبًّا لا يطالب، بل يعطي، ولا يتذمّر، بل يصبر.
ورغم غيابه إلّا أنّ حضوره في وجداني صار مرآة أرى فيها نفسي: أرى العهد الّذي بيننا ولم يقطعه الغياب، وأرى الحبّ الّذي لم يرحل برحيله…
وترك فيّ إرثًا وطنيًّا عظيمًا، فعلّمني أنّ الوطن ليس نشيدًا يُردَّد، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل مسؤوليّة تُحمل، وثمن يُدفع، وموقف لا يقبل المساومة.
كان يرى الوطن كقيمة أخلاقيّة، لا كحدود جغرافيّة فقط، يراه يستحقّ التضحية لا المساومة، والصبر لا المتاجرة.
بعده، تغيّر معنى الوطن في داخلي.
صار وجهًا، وذكرى، ودمًا طاهرًا، وقصّة لا يجوز نسيانها.
صرت أفهم أنّ الانتماء الحقيقي هو أن تكون صادقًا مع الأرض الّتي أعطتك اسمك، ومع الناس الّذين يشبهونك في الوجع والأمل.
علّمني أنّ الوطن يُحفظ بالعدل قبل السلاح، وبالصدق قبل الشعارات.
هذا الإرث كلّه لم يأتِ دفعة واحدة، بل كشف نفسه لي مع الوقت، ومع الأيّام، ومع الاختبارات.
كلّما ظننت أنّني تجاوزت مرحلة، أعادني درس جديد إلى ما تركه فيّ.
كأنّ زوجي لم يرحل ليغيب، بل رحل ليبقى معلّمًا صامتًا، يرافقني دون أن أراه.
أدركت أنّ بعض الرجال لا يورّثون أبناءهم وأحبّتهم أشياء تُستهلك، بل يورّثونهم قيمًا تُستعاد كلّما ضاع الطريق.
وأنّ أعظم ما تركه بي زوجي، هو أنّه جعلني أكثر وعيًا، وأكثر ثقلًا، وأكثر مسؤوليّة عن نفسي وعن الحكاية الّتي بدأت معه ولم تنتهِ برحيله.
علّمني أنّ الأثر الحقيقي لا يُقاس بطول العمر، بل بعمقه،
ولا بعدد السنين، بل بما نتركه في قلوب من أحبّونا، وفي نفوس من عرفونا، وفي الطريق الّذي نسير فيه بعدهم.
فليس الإرث ما نحتفظ به في أيدينا، بل ما يبقى حيًّا في أرواحنا بعد الرحيل.
واليوم، وأنا أكتب عنه، لا أكتب عن رجل رحل،
بل عن روح ما زالت تُربّي، وتُرشد، وتهمس لي في لحظات ضعفي:
«كوني كما كنتِ، لا كما أراد الألم أن تكوني».
هذا هو إرثه الحقيقي…
أن أكون شاهدة على صدقه،
وأمينة على معناه،
وحارسة لما آمن به،
ما حييت.
يتبع.........
بقلمي/ بيسان مرعي