الخميس، 4 يونيو 2026

Hiamemaloha

ق.ق لوح الثلج للكاتب طارق الحلواني

 لوح الثلج   ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

منذ انتقاله إلى الفرع الجديد، بدا كأنه جاء من عالم آخر.

لم يكن متكبرًا، ولا منطويًا على نحو يثير النفور، لكنه كان محاطًا دائمًا بمسافة غير مرئية تفصله عن الآخرين.

في استراحة الغداء يجلس وحده.

يتناول طعامه وحده.

ولا يبدأ حديثًا إلا إذا اضطر.

كان يرد على التحية بأدب، ثم يعود إلى شاشة حاسوبه أو إلى الملفات المكدسة أمامه كأن العمل ملاذه الوحيد.

ومع مرور الأسابيع صار الجميع يتعامل معه كحقيقة ثابتة لا تحتاج إلى تفسير.

الجميع إلا ندى.

لاحظته منذ الأيام الأولى.

رجلاً في منتصف الثلاثينيات.

هادئًا أكثر مما ينبغي.

مهذبًا أكثر مما اعتادت.

لا يتطفل بنظراته على النساء.

لا يشارك زملاءه النكات الثقيلة.

ولا يحاول أن يكون محبوبًا.

في البداية أثار فضولها.

ثم شيئًا آخر لم تعترف به لنفسها.

كانت مطلقة منذ ثلاث سنوات.

ومنذ اليوم الذي اكتشفت فيه زوجها في فراشها مع جارتها، تشكل بداخلها يقين مرير:

الرجال يتشابهون.

قد تختلف الوجوه والملابس واللهجات، لكن النهاية واحدة.

لذلك كانت ترى نظراتهم قبل أن ينطقوا.

وتفهم مقاصدهم قبل أن يقتربوا.

أما هذا الرجل فكان خارج القاعدة كلها.

وفي صباح شتوي ثقيل، هبط المطر على المدينة بلا رحمة.

امتلأت الشوارع بالمياه.

وتعطلت حركة المرور.

وأرسل معظم الموظفين اعتذاراتهم عن الحضور.

حين وصلت ندى إلى المكتب لم تجد سوى سيارته في الموقف.

دخلت وهي تضم معطفها إلى جسدها.

كانت المظلة السوداء تقطر ماءً فوق البلاط.

أغلقتها عند الباب.

ونزعت معطفها المبتل.

ثم التفتت نحوه.

كان جالسًا وحده خلف مكتبه.

رفع رأسه وقال:

ـ صباح الخير.

ابتسمت.

ـ صباح النور.

ساد الصمت ثانية.

قالت:

ـ هعمل شاي تشرب معايا؟

ارتبك قليلًا.

ـ لا.. شكرًا.

ضحكت.

ـ وأنا كمان مش بحب أشرب لوحدي.

ظل مترددًا للحظة ثم قال:

ـ اللي تشوفيه.

أثناء إعداد الشاي سألته:

ـ كام معلقة سكر؟

رفع عينيه عن الأوراق.

ـ أي حاجة..مظبوط.

ابتسمت دون أن يراها.

كانت تلك إجابة رجل لا يعرف ماذا يريد أو يخجل من طلبه.

بعد دقائق وضعت الكوب أمامه وجلست مقابله.

في الخارج كانت السماء رمادية.

الضباب يلتهم المباني البعيدة.

والبرق يشق الغيوم على فترات متباعدة.

أما داخل الغرفة فكان بخار الشاي يتصاعد ببطء بينهما.

تأملته.

وتأمل صمته.

وفجأة تسللت إليها تلك الفكرة السخيفة.

هل لا يجدني جميلة؟

حاولت تجاهلها.

فعادت أقوى.

فتحت حديثًا عابرًا.

عن العمل.

ثم عن بلدته.

ثم عن سكنه الحالي.

كان يجيب في جمل قصيرة.

مقتصدة.

كأن الكلمات عملة نادرة عنده.

سألته:

ـ متجوز؟

ـ لا.

ـ خاطب؟

ـ لا.

ـ مرتبط؟

ـ لا.

ارتشفت من كوبها وهي تشتمه سرًا.

كان أول رجل منذ سنوات يربك ثقتها بنفسها.

ليس لأنه رفضها.

بل لأنه لم يحاول أصلًا.

نهضت متعللة بالبحث عن ملف من الخزانة المعدنية.

وفي اللحظة نفسها دوى الرعد قريبًا جدًا.

اهتز الزجاج.

وانطفأت الأنوار دفعة واحدة.

غرقت الغرفة في ظلام كامل.

شهقت ندى.

وسمعت حركة مفاجئة ناحية مكتبه.

اصطدم شيء بالأرض.

ثم تلاه صوت خافت لتحطم زجاج.

تحسست طريقها وسط الظلام.

وفي أثناء تقدمها وضعت قدمها فوق شيء صغير.

صدر طقطقة حادة.

تجمدت في مكانها.

ثم عاد البرق للحظة قصيرة.

ورأت الرجل جاثيًا على ركبتيه.

يتحسس الأرض بيديه.

بقلق حقيقي.

بذعر حقيقي.

قالت:

ـ بتدور على إيه؟

لم يجب.

ظل يبحث.

انحنت هي أيضًا.

ثم التقطت إطارًا معدنيًا مكسورًا وعدسة متشظية.

سكتت.

كانت نظارته.

قالت بخجل:

ـ أنا... أظن إني كسرتها.

رفع رأسه نحو مصدر صوتها.

ولم يقل شيئًا.

كان الصمت الذي أعقب الجملة أثقل من أي عتاب.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة.

وقال:

ـ متعتذريش.

ازدادت حيرتها.

ـ بس أنا...

قاطعها بهدوء:

ـ هي كانت هتتكسر في يوم من الأيام.

عاد البرق ثانية.

ورأت وجهه بوضوح للمرة الأولى.

لم يكن غاضبًا.

كان حزينًا فقط.

جلس على الكرسي القريب.

وأخذ النظارة المكسورة من يدها.

مرر أصابعه فوق الذراع المكسور كما لو كان يلمس شيئًا يعرف أنه راحل.

ثم قال:

ـ المشكلة إني من غيرها مبشوفش غير خيالات.

شعرت بشيء ينقبض داخلها.

سألته بصوت خافت:

ـ للدرجة دي؟

ابتسم.

ابتسامة لم تصل إلى عينيه.

ـ أكتر.

سكت قليلًا.

ثم أضاف:

ـ عندي مرض وراثي في الشبكية.

الدكاترة بيقولوا إن الجزء الباقي من النظر بيضيع بالتدريج.

كانت تستمع دون أن تنطق.

أما هو فتابع بصوت هادئ كأنه يحكي عن شخص آخر:

ـ السنة اللي فاتت قالوا لي حاجة غريبة.

ـ إيه؟

نظر نحو الفراغ أمامه.

وقال:

ـ قالوا لي إني قريب مش هحتاج النظارة أصلًا.

احتاجت ندى إلى ثوانٍ طويلة حتى تفهم.

وحين فهمت شعرت بالخجل.

خجلت من كل الأسئلة التي طرحتها على نفسها منذ الصباح.

من كل الأحكام التي أصدرتها.

من معركتها الصغيرة التي كانت تخوضها وحدها.

بينما كان هو يخوض معركة أخرى أكبر بكثير.

في الخارج كان المطر يضرب النوافذ بعنف.

سألها فجأة:

ـ هو المطر لسه بينزل؟

نظرت نحو الزجاج.

كانت المياه تنساب فوقه كأن السماء تذوب.

قالت:

ـ أيوه.. وبشدة.

ابتسم.

ثم قال:

ـ خسارة.

ـ خسارة إيه؟

أطرق رأسه قليلًا.

وأجاب:

ـ كنت بحب أتفرج على المطر.

لم تعرف ماذا تقول.

لأول مرة منذ سنوات طويلة عجزت الكلمات عن مساعدتها.

ظلت واقفة قرب النافذة.

بينما جلس هو في مكانه الهادئ.

حاملاً نظارته المكسورة بين يديه.

رفعت ندى عينيها إلى الخارج.

كان المطر ما يزال يهطل بغزارة.

وللمرة الأولى أدركت أن الرجل الجالس أمامها لم يكن يتجاهل جمالها..

كان يودع المطر.


طارق الحلوانى 

يونيو ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :