الأربعاء، 3 يونيو 2026

Hiamemaloha

السودا الكودا للأديب طارق الحلواني

 السودا الكودا

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

كان لون الأم أسمر داكنًا.

وحين وُلدت أمل، قال الناس إنها تشبه أمها. وحين جاءت داليا، قالوا الشيء نفسه. أما في الحمل الثالث، فقال الزوج لزوجته:

ـ إذا كانت بنتًا.. فأنتِ طالق.

وجاءت كريمة بنتًا.

سمراء مثل أمها وأختيها.

فطلقها.

كبرت البنات في حي لا يرحم الاختلاف.

في الطريق إلى المدرسة، وفي الأفراح، وحتى بين بعض الأقارب، كانت الكلمات تسبقهن:

ـ السودا الكودا.

ـ قعر الحلة.

ـ عبيد الحتة.

ضحكات قصيرة عند أصحابها، لكنها كانت تترك جروحًا طويلة.

كبرت أمل وهي تتقن الصمت.

أما داليا فكانت تحمل الإهانة إلى غرفتها كل مساء.

وفي ليلة، وقفت أمام المرآة تفرك ذراعها بقطعة قماش مبللة.

مرة.ومرتين.وثلاثًا.

دخلت الأم فجأة.

توقفت داليا.

ونظرت إليها بعينين دامعتين.

لم تسأل الأم شيئًا.

احتضنتها فقط.

وظلتا تبكيان.

أما كريمة فكانت ترد على السخرية كلما استطاعت.

لكنها، مثل أختيها، كانت تخفي سؤالًا لا يفارقها:

هل كان أبي سيبقى لو كنا مختلفات؟

كانت الأم تعمل طوال النهار، ثم تعود منهكة لتطهو وتغسل وتراجع لهن دروسهن.

وحين تسمع شكواهن، تقول:

ـ الإنسان لا يُقاس بلونه..ولا بما يقوله الناس عنه.

كانت البنات يصدقنها.

لكن الجرح كان أعمق من الكلمات.

مرت السنوات.صارت أمل ممرضة.

وداليا رسامة.

وكريمة معلمة.

أما الأب فقد تزوج من امرأة أخرى بيضاء وأنجبت له ولدين.

ظن أنه وجد ما كان يبحث عنه.

لكن العمر مضى سريعًا.

وكبر وحيدًا.

حين ماتت الأم، شعرت البنات أن شيئًا عظيمًا انكسر داخلهن.

وبعد سنوات قليلة، أصاب المرض الأب.

وفي إحدى الليالي طلب رؤيتهن.

ترددن طويلًا قبل أن يذهبن.

كان هزيلًا على نحو صادم.

شعره أبيض.

وجسده يكاد يختفي تحت الغطاء.

نظر إليهن طويلًا.

كأنه يحاول استعادة سنوات ضاعت منه.

ثم قال بصوت خافت:

ـ أمكم.. تألمت كثيرًا بعد رحيلي؟

ساد الصمت.

كان الجواب أكبر من أن يُقال.

أغمض عينيه.

وسالت دمعة بطيئة على خده.

عندما غادرن الغرفة، كانت الشمس تميل إلى الغروب.

التفتت كريمة نحو نافذته للحظة.

رأته وحيدًا خلف الزجاج.صغيرًا.ومنكسرًا.

ثم أدارت وجهها ومضت.

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم تسأل نفسها:

لماذا رحل أبي؟

كانت تعرف الجواب الآن.لم يكن العيب في لونهن.. بل في قلبٍ احتاج عمرًا كاملًا ليكتشف ذلك.


طارق الحلوانى 

يونيو ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :