السبت، 20 يونيو 2026

Hiamemaloha

أنا بين الماضي والحاضر للشاعر محمد عربي

 أنا بين الماضي والحاضر

بقلم محمد عربي

أنا بين الماضي والحاضر...

كعابرٍ يقف في منتصف الجسر،

لا هو قادرٌ على العودة إلى الضفة التي غادرها،

ولا هو مطمئنٌّ تمامًا إلى الضفة التي تنتظره.

أحمل في جيبي أصواتًا قديمة،

وجوهًا أحببتها،

أحلامًا رسمتها على دفاتر العمر،

ثم جاء الزمن ومضى بها بعيدًا،

كأنها أوراق خريفٍ لم تجد شجرتها الأخيرة.

ألتفت إلى الماضي،

فأراه يسكنني أكثر مما أسكنه.

أراه في التفاصيل الصغيرة:

في أغنيةٍ قديمة،

في صورةٍ باهتة،

في شارعٍ مررتُ به ذات مساء،

وفي أسماءٍ كانت يومًا وطنًا للقلب ثم أصبحت ذكرى.

وألتفت إلى الحاضر،

فأجده يركض بسرعةٍ لا تمنحني فرصةً كافية للتأمل.

كل شيء يتغير،

الناس يتغيرون،

الأماكن تتغير،

حتى نحن...

نستيقظ كل يومٍ بنسخةٍ جديدة من أنفسنا،

ونمضي دون أن ننتبه كم ابتعدنا عن البدايات.

أنا بين الماضي والحاضر،

أجمع شظايا الأيام كمن يجمع الضوء من النوافذ المغلقة.

أسأل نفسي:

هل كنتُ ذلك الشخص الذي حلم كثيرًا؟

أم أنني أصبحت ذلك الرجل الذي تعلّم أن الأحلام تحتاج إلى أكثر من الأمنيات؟

لقد علّمني الماضي أن الحب لا يكفي دائمًا،

وأن الوفاء لا يضمن البقاء،

وأن بعض الذين منحناهم أعمارنا يرحلون ببساطة،

كأنهم لم يعرفوا يومًا حجم المسافة التي قطعناها لأجلهم.

وعلّمني الحاضر أن الحياة لا تنتظر أحدًا،

وأن الزمن لا يتوقف عند جرحٍ أو خيبة،

وأن علينا أن نمشي،

حتى ونحن نحمل في قلوبنا مدنًا كاملة من الحنين.

أنا بين الماضي والحاضر،

لا أبحث عن إجاباتٍ نهائية،

فالحياة ليست امتحانًا له سؤال واحد.

إنها رحلة طويلة من الأسئلة،

وكلما ظننا أننا فهمنا شيئًا،

اكتشفنا أن الحقيقة أكبر من قدرتنا على الاحتواء.

أحيانًا أشتاق إلى نفسي القديمة،

إلى ذلك الإنسان الذي كان يصدق بسرعة،

ويفرح بسهولة،

ويحلم بلا خوف.

وأحيانًا أشكر الأيام لأنها كسرت بعض أوهامي،

فمنحتني عينًا ترى أبعد،

وقلبًا يعرف أن القوة ليست في عدم السقوط،

بل في القدرة على النهوض كل مرة.

أنا بين الماضي والحاضر،

أحمل ذاكرةً لا تموت،

وأملًا يرفض أن ينطفئ.

أحمل وجع السنوات،

لكنني أحمل أيضًا إيمانًا عميقًا بأن الغد ما زال يخبئ شيئًا جميلًا لمن لم يفقد إنسانيته.

لذلك أمشي...

لا إلى الخلف،

ولا هربًا إلى الأمام،

بل نحو نفسي.

نحو ذلك الإنسان الذي تصنعه التجارب،

وتنقّيه الخيبات،

وتعلّمه الأيام أن العمر ليس عدد السنوات التي نعبرها،

بل عدد المعاني التي نكتشفها ونحن نعبرها.

أنا بين الماضي والحاضر...

لكنني ما زلت أؤمن أن أجمل ما في الحياة

ليس ما مضى،

ولا ما هو كائن الآن،

بل ما نستطيع أن نصنعه من هذا العبور الطويل بينهما.

بقلم: محمد عربي.


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :