معلقة ؛ رسالة الحرف
بقلمي الشاعر محمد علي باني
أيا سائلي عن سر حرف تكلما
وكيف غدا بين البرية معظما
فإن الكلام رسول قلب صاحب
إذا صدق المعنى أقام وأكرما
به أرسلت للناس اسمى رسالة
وبالحرف نور الله في الخلق قد سما
كلمة تحيي اليائس المتعب الذي
رأى الدرب موحشا والليالي مجهما
فتأتي كغيث بعد قحط بأرضه
فتبعث في أعماقه الأمل النما
وكلمة صدق قد تقيم عزيمة
وتجعل من قلب الفتى متقدما
وكم من يتيم مسه لطف قائل
فصار بعزم النفس نجما معلما
وكم من حزين ضاق صدره بالأسى
فأحياه حرف صادق حين كلما
ولكن في الألفاظ نارا إذا سرت
رأيت بها بين الأحبة مأتما
وكم كلمة أشعلت الفتنات بينهم
وكانت سهاما في القلوب مسمما
وكم هدمت بيتا ومزقت الألى
وكانوا على عهد المودة أنجما
لذلك فزن قولك اليوم حكمة
فليس الذي يلقى من الحرف يغتنما
فحرف كبذر الخير إن يلق صادقا
يزهر في الٱفاق مجدا مرصلا
وحرف كبذر الشر إن يلق غافلا
يورث أجيالا من الحقد والظلما
فكم خطبة هزت عروش الطغاتها
وأيقظت الأحرار لما تكلما
وكم حكمة جرت على لسان عالم
فصارت على مر الزمان معلما
بها نهضت أقوام قوم من الردى
وكانوا قبل الحرف قوما تيما
وبالحرف شيدت الحضارات كلها
ولولاه ما خط الورى أو تعلما
هو الحرف إن صاح الضمير بحقه
رأيت له في كل قلب تكرما
وإن صار في كف الخبيث وسيلة
رايت به البهتان والشر أظلما
فكم فتنة كانت بداية أمرها
لسانا اذاع الكذب حتى تعاظما
كأن الحرف جنود حرب إذا بغت
إن صلحت كانت سلاما وأنعما
لها في قلوب الناس سحر وهيبة
إذا صدقت كانت دواء وبلسما
فلا تحقرن القول ، فالقول بذرة
إذا زرعت يوما أثارت مواسما
فرب من صغير من كلام حسبته
هشيما فأضحى في البرية معظما
ورب جريح القلب داواه لفظه
فأبصر بعد الياس فجرا تبسما
ورب فتى كانت تشد عزيمته
كلمات صدق فاستقام وأقدما
فيا صاحب الأقلام زن ما تخطه
فإن الذي تملي سيحصى ويعلما
ولا تجعل الحرف الشريف مطية
لزور فإن الزور يفنى ويندما
فخير الكلام الصدق إن جاء ناصحا
وشر الكلام الإفك إن جاء مجرما
ستبقى الحروف طيبات منارة
ويطوى الذي كان زورا موهما
فيا أيها الإنسان إنك راحل
ويبقى الذي قد خطه متقدما
فلا تزرعن في الدروب مرارة
إذا كنت تبغي عند ربك مغنما
وزين حديثك بالفضايل والتقى
ودع عنك قولا للعداوة أضرما
فكم من كلام عاش بعد صاحبه
وكان له يوم الحساب مقدما
وكم من حروف أثقلت كف قائل
فأورثت الإنسان خسرانا وألما
فإن اللسان السيف اما صيانة
وإما جراح في القلب إذا اعتمى
وإن البيان النور إن صان أهله
وإن خان صار الليل الهم والظلما
وخذ من هدي الأخيار نهجا قويما
وكن للهدى صوتا وللخير ملهما
وخير البرية من إذا قال انصف
الضعيف وكان للحقائق مكرما
وخير الكلام الصدق يبنى به الورى
وشر الكلام الزور يردي ويهدما
وتمضي الوجوه ، والقصور ،واهلها
ويبقى صدى الكلمات إن كان محكما
فطوبى لمن كانت حروفه رحمة
تضيء الدجى وتزيد للعقل أنجما
وتبقى رسالة الحرف أمانة
فإما بناء ، او خراب إذا نما
التوقيع ؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس