قالت باكية...
قالت باكية... أريد أن أرى دفاتري كما كانت، لا كما أرادتها القوانين الجديدة أن تكون. أريد رائحة الورق حين كان يحمل المعرفة لا الحشو، وحين كانت الصفحات تفتح لنا أبواب الحياة، لا أبواب الامتحان فقط.
أريد علمًا كانت تهابه العقول، وتحبه الأرواح، علمًا كان يغرس فينا السؤال قبل الجواب، ويوقظ الفكر قبل أن يملأ الذاكرة. أريد تلك المناهج التي كانت تهز الروح والعقل قبل الجسد، وتترك في الذاكرة أثرًا لا تمحوه السنون، لأنها كانت تبني الإنسان قبل أن تمنحه شهادة.
أريد صباحات المدرسة حين كانت كل شمس تشرق ومعها زهرة جديدة في بستان الأمل، وكل درس يثمر قيمة، وكل معلم يزرع حلمًا، وكل كتاب يفتح نافذة على الدنيا.
أريد زمنًا كان للكلمة فيه شرف، وللصدق فيه مكانة، وللعلم فيه هيبة، قبل أن يصبح للدرهم والدينار السلطان، وتُقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من خلقٍ وفكر.
أريد أيام الجيرة الطيبة؛ يوم كان الجار بابًا للأمان، وسندًا عند الشدة، وابتسامةً قبل السؤال، لا زمنًا أصبحت فيه الوصايا تبدأ بقولهم: "احذر من جارك."
أريد زمنًا كانت القلوب فيه أكثر اتساعًا من البيوت، وكانت الأيدي تمتد للمصافحة لا للمصلحة، وكانت العلاقات تُبنى على الوفاء لا على المنفعة.
ثم مسحت دمعتها وقالت: لست أبكي الماضي لأنه مضى، بل أبكي حاضرًا نسي كيف يصنع ماضيًا يستحق أن يشتاق إليه الأبناء كما اشتقنا نحن إلى أيامنا... فالأوطان لا تنهض بكثرة القوانين، وإنما تنهض حين يعود للعلم مجده، وللكلمة عزها، وللإنسان إنسانيته.
بقلم الاستاذ: فاروق بوتمجت (الجزائر)