الخميس، 18 يونيو 2026

Hiamemaloha

تعلمت من زوجي الخاتمة للأديبة بيسان مرعي

 كتاب《تعلّمتُ من زوجي》

"الخــاتمة"


 ها أنا أضعُ القلمَ في نهايةِ هذه الصفحات، لكنني لا أضعُ حدًّا للدروسِ التي استقيتُها من تلك الروحِ العظيمة.

ها أنا أُغلقُ صفحاتِ هذا الكتاب، لا لأن الحكايةَ انتهت، بل لأنها ما زالت تُروى في قلبي كلَّ يوم، بصوتٍ لا يخفت، وبدمعةٍ لا تجف، وبحنينٍ لا يهدأ.

لقد بدأتُ هذا الكتاب وأنا أظنّ أنني أرثي زوجًا غاب، واكتشفتُ مع كل سطرٍ أنني أُوثّقُ حياةً تأبى الغياب، وأُخلّدُ ذكرى الرجلِ الذي علّمني أن الحبَّ الصادقَ بين الزوجين عبادة، وأن الصبرَ إيمان، وأن الوفاءَ وعدٌ يُحفَظُ حتى آخر نبضة…

«تعلّمتُ من زوجي»…

لم يكن هذا الكتابُ رثاءً لرجلٍ رحل، ولا محاولةً لتجميلِ الفقدِ بالكلمات، بل شهادةَ حياة…

شهادةُ امرأةٍ عاشت مع رجلٍ لم يعبر أيامَها مرورًا عابرًا، بل غرس فيها معنى، وتركها مسؤولةً عنه بعده.

تعلّمتُ من زوجي –رحمه الله– أن الحبَّ ليس مجردَ كلماتٍ تُقالُ في الرخاء، بل هو يدٌ تمتدّ في عتمةِ المرض لتمسك بيدك وتهمس: «أنا هنا».

تعلّمتُ أن العلمَ ليس شهاداتٍ تُعلَّق، بل هو نورٌ ينعكس في تعاملك مع والديك وأبنائك.

علّمني كيف يكون الإنسانُ وطنًا، وكيف تكون الشهادةُ أُمنيةً ووعدًا صادقًا بالموت في سبيلِ الله تعالى.

لم يكن هذا الكتابُ محاولةً للبوح، ولا تفريغًا للحزن، ولا سردًا لحكايةِ فقدٍ شخصية، بقدر ما هو وفاءٌ لمن علّمني الوقوف، وشهادةُ قلبٍ أراد ألّا يترك الدروسَ تموت مع صاحبها.

كتبتُ لأن بعضَ الرجال لا يُختصرون في الذكرى، ولأن ما يُتعلَّم من الصادقين أمانةٌ لا يجوز الصمتُ عنها.

تعلّمتُ من زوجي أن الإنسانَ قد يغيبُ جسدًا، لكنه يبقى أثرًا، وأن البقاءَ الحقيقيَّ ليس طولَ العمر، بل عمقَ المعنى.

تعلّمتُ أن بعضَ الرحيل ليس موتًا، بل اصطفاء، وأن الفقدَ حين يكون في سبيلِ الحق يتحوّل من جرحٍ خاص إلى مسؤوليةٍ عامة.

علّمني أن الطريقَ المستقيم ليس الأسهل، لكنه الوحيد الذي لا يُخجل صاحبه حين يلتفتُ إلى الوراء.

وبعد رحيله، لم أعد أبحث عن الطمأنينة في اكتمالِ الأشياء، بل في صدقها.

هذا الكتابُ الذي كُتب بحبرِ القلب قبل القلم عن زوجي، يعبّر عن كل امرأةٍ تعلّمت من رجلٍ صادق كيف تحمل الحياةَ بثبات،

وعن كل إنسانٍ أدرك أن القيمَ والمبادئَ التي تُدفَع أثمانُها غاليًا هي وحدها التي تستحق أن تُحفَظ.

هو رسالةٌ تقول إن الحبَّ لا ينتهي بالموت، وإن العهدَ لا يسقط بالغياب، بل يسكن قلوبَ الأوفياء.

أغلقُ هذه الصفحات وأنا أعلم أنني لم أُنهِ الحكاية، بل سلّمتُها…

سلّمتُها لكل قلبٍ يبحث عن معنى، ولكل روحٍ تحتاج أن تتذكّر أن الصدقَ لا يضيع، وأن من اختار أُمنيته بوعي، لا يُهزَم… حتى لو ظنّ العالم أنه خسر.

رحل زوجي ليعلّمني الدرسَ الأخيرَ والأقسى: أن الشهادةَ ليست نهاية، بل هي استمرارٌ في عالمٍ أطهر، وأثرٌ يمتدّ في نفوسنا ليجعلنا أكثر صمودًا وقربًا من الله.

رحل ليترك لي أمانةَ العلم، وحبَّ الوطن، وقوةَ القلم الذي لم يفتأ يشجّعني على حمله.

وإلى كل من قرأ هذه الصفحات: ليست هذه قصةَ امرأةٍ فقدت زوجها فحسب، بل هي قصةُ قلبٍ وجد في شريكه بوصلةً للحق.

لقد علّمني كيف أحيا بصدق، وكيف أواجه السرطان بابتسامة، وكيف أودّعه بصبرٍ يليق بعظمةِ استشهاده.

إنني اليوم، وأنا أطوي الصفحات الأخيرة، أرفع رأسي عاليًا بلقبٍ هو الأسمى والأنبل: «زوجةُ الشهيد».

هذا اللقبُ ليس مجردَ وصفٍ لفقد، بل هو وسامُ شرفٍ وضعه زوجي على صدري بدمائه وطُهره.

هو العهدُ الذي قطعته على نفسي بأن أظلّ وفيةً لكل قيمةٍ غرسها فينا، ولكل كلمةٍ شجّعني بها على الكتابة حتى تُبصر كلماتي النور.

اليوم، وأنا أختم هذه السيرة، أدرك أن «البطولة» ليست فعلًا طارئًا، بل هي تراكمٌ من الصدق اليومي، تُوِّج بشرف الشهادة.

ولذا فإن هذا الكتاب لم أكتبه لأتخطّى رحيل زوجي وأتجاوزه، فهو لا يُتجاوز،

بل كتبته لأبقى وفيةً لما علّمني إياه،

ولأشهد أن بعضَ الرجال حين يصدقون مع الله يتركون وراءهم أرواحًا أوسع،

ونساءً أثقلَ بالمعنى، وحكاياتٍ لا يطويها الزمن.

وإن كان لهذا الكتاب رسالة، فهي ليست حزني فقط، بل مسؤوليتي.

مسؤولية أن أحيا كما أحبّ، وكما آمن، وكما اختار الطريقَ الأصعب لأنه الأصدق.

وأنا اليوم، إذ أضع النقطة الأخيرة،

أقول:

تعلّمتُ من زوجي…

وسأبقى أتعلّم منه،

ما حييت.

فوداعًا يا رفيقَ الدرب جسدًا، وأهلًا بك إلهامًا يُحيي الحروف…

فما تعلّمته منك صار هويتي، وما قدّمته أنت للوطن هو القنديلُ الذي لن ينطفئ أبدًا، وهو فخرُنا الدائم.


انتهى بحمد الله وفضله.......

بقلمي/بيسان مرعي


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :