الأحد، 28 يونيو 2026

Hiamemaloha

حين يهطل المطر للشاعر محمد عربي

 حين يهطل المطر

قصيدة نثر طويلة

بقلم: محمد عربي

حين يهطل المطر...

لا أرى الماء يسقط من السماء،

بل أرى السماء

تكتب رسائلها القديمة

إلى الأرض.

كأنها تقول لها:

"اصبري...

فبعد كل عطشٍ

يولد نهر،

وبعد كل انتظار

تولد حياة."

وحين تلامس أول قطرة

وجه التراب،

أشعر أن الأرض

تتنفس

بعد اختناقٍ طويل،

وأن الأشجار

تستعيد أسماءها،

وأن العصافير

تتذكر

أن الغناء

خُلِق قبل الحزن.

حين يهطل المطر...

يتغير كل شيء.

حتى الذين

ادّعوا القوة

يصيرون أكثر هشاشة.

والذين أخفوا دموعهم

سنواتٍ طويلة،

يجدون في المطر

عذرًا للبكاء.

فما أجمل

أن تبكي السماء معك،

حتى لا يعرف أحد

أي الدموع

كانت دموعك.

حين يهطل المطر...

أتذكر أمي،

وهي تجمع الغسيل

على عجل،

ثم تبتسم

حين تسمع

صوت المطر

يطرق النوافذ.

وأتذكر أبي،

وهو ينظر إلى السماء

بعين الفلاح،

يرى في كل غيمة

وعدًا بالخير،

وفي كل قطرة

رزقًا

كتبه الله

قبل أن تولد الحقول.

وأتذكر طفولتي،

حين كنا نخرج

رغم صراخ الأمهات،

نركض

في الأزقة،

ونترك أقدامنا

ترسم دوائر الفرح

فوق الماء.

يا الله...

كيف يكبر الإنسان،

ويخسر

كل تلك الأشياء الصغيرة

التي كانت

تصنع سعادته؟

حين يهطل المطر...

أفتح نافذتي،

ليس لأرى الطريق،

بل لأرى قلبي.

فالمطر

لا يغسل الأرصفة،

بل يغسل الذاكرة.

يوقظ الوجوه

التي غابت.

والأصوات

التي سكنت الصمت.

والأماكن

التي رحلنا عنها،

لكنها

لم ترحل منا.

كم من إنسان

عاد مع المطر.

وكم من اسم

تردد صداه

بين القطرات.

وكم من حب

ظنناه انتهى،

فعاد

مع أول رائحة

للتراب المبتل.

حين يهطل المطر...

أتساءل:

لماذا يحب الناس المطر؟

أهو لأنه

يحيي الأرض؟

أم لأنه

يوقظ ما مات

داخل الإنسان؟

ربما...

لأن المطر

يشبه الرحمة.

ينزل

على الجميع.

لا يسأل

عن غنيٍّ

ولا فقير.

ولا يفرق

بين بيتٍ كبير

وخيمةٍ صغيرة.

يعلمنا

أن العطاء

أجمل

حين لا ينتظر

مقابلًا.

حين يهطل المطر...

تتغير المدن.

الشوارع

تصبح أكثر هدوءًا.

والمقاهي

تمتلئ

بالعابرين.

والنوافذ

تصبح عيونًا

تراقب الغيم.

لكن أكثر

ما يتغير

هو الإنسان.

ذلك الذي

كان يركض

خلف الدنيا،

يتوقف فجأة،

وينظر إلى السماء.

كأن المطر

يعيده

إلى حجمه الحقيقي.

فيكتشف

أن فوقه

سماءً عظيمة،

وأن كل همومه

أصغر

من غيمة.

حين يهطل المطر...

أتذكر

الذين رحلوا.

أشعر

أن السماء

تقرأ أسماءهم

قطرةً

قطرة.

فأرفع يدي

وأدعو لهم.

لأن المطر

وقتٌ

تفتح فيه الروح

أبوابها.

ويصبح الدعاء

أقرب

إلى السماء.

حين يهطل المطر...

لا أخاف البلل.

بل أخاف

أن يصبح قلبي

يابسًا

لا تهزه

قطرة.

فالإنسان

الذي لا يبكي،

ولا يشتاق،

ولا يتأمل،

يشبه شجرةً

نسيت

كيف تزهر.

حين يهطل المطر...

أتعلم

أن الحياة

تشبه الفصول.

فلا ربيع

يدوم.

ولا خريف

يبقى.

وكل شتاء

يظنه الناس

نهاية،

يكون

بدايةً

لربيع جديد.

هكذا

هي الحياة.

تسقط أوراقها

كي تولد

أوراقٌ أخرى.

وينكسر القلب

كي يتعلم

كيف يحب

من جديد.

ويغيب الضوء

كي ندرك

قيمته

حين يعود.

حين يهطل المطر...

أجلس وحدي.

أصغي

إلى صوت القطرات.

وأكتشف

أن الصمت

له موسيقى.

وأن الطبيعة

تعرف من الشعر

ما لا يعرفه

كثير من الشعراء.

فالغيوم

تكتب قصائدها

بالماء.

والرياح

تلقيها

على الأشجار.

والأرض

تحفظها

في ذاكرة الزهور.

حين يهطل المطر...

أقول لنفسي:

لا تيأس.

فالأرض

التي تشققت

من العطش،

لم تكن تعلم

أن الغيث

كان قريبًا.

وكذلك الإنسان.

كم مرة

ظن أن كل شيء

قد انتهى،

ثم جاءه الفرج

من حيث

لا يحتسب.

لهذا

علمني المطر

أن أثق بالله.

وأن أؤمن

أن بعد الضيق

سعة.

وبعد الليل

فجر.

وبعد الحزن

فرح.

وبعد الانتظار

لقاء.

حين يهطل المطر...

أشعر

أن العالم

يغتسل

من قسوته.

وأن الله

ينثر رحمته

على الأرض

في هيئة قطرات.

فيا رب...

كما أحييت الأرض

بعد موتها،

أحيِ قلوبنا

بعد قسوتها.

وكما جعلت

المطر

رحمةً للعالمين،

اجعل في أرواحنا

مطرًا

يغسل الكراهية،

ويزرع المحبة،

ويعيد إلينا

إنسانيتنا

كلما كادت

أن تضيع.

وحين يتوقف المطر...

لا يتوقف أثره.

يبقى

في رائحة التراب.

وفي ابتسامة الأطفال.

وفي اخضرار الحقول.

وفي القلب...

يبقى

ذكرى جميلة،

تخبرنا

أن السماء

مهما تأخرت،

فإنها

لا تنسى الأرض.

وكذلك الله...

قد يؤخر عطاياه

لحكمة،

لكنه

لا ينسى

عباده أبدًا.

بقلم: محمد عربي


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :