النسيان
النِّسيانُ نعمةُ الرحمنِ للإنسانِ
وبه تخفُّ مرارةُ الأحزانِ
لولا النسيانُ ما تنفَّسَ موجعٌ
ولعاشَ في قهرٍ وفي حرمانِ
فالحزنُ والفقدُ المريرُ مصاحبٌ
لدروبِ عمرٍ عابرِ الأزمانِ
هذي الحياةُ، بها الفراقُ ولوعةٌ
وبها السرورُ ومشرقُ التحنانِ
والذكرياتُ وإن توارتْ لحظةً
تبقى كنورٍ ساكنِ الوجدانِ
واللهُ أرحمُ بالعبادِ، فإنَّهُ
أهدى النسيانَ رحمةً وأمانِ
فبه تعلَّمنا الصبـورَ وحكمةً
وعرفنا دربَ الصفحِ والإحسانِ
والعفوُ يزرعُ في النفوسِ مودةً
ويشيعُ نورَ السِّلمِ بينَ دواني
لولا النسيانُ العظيمُ لضاقتِ
دنيا الورى بغياهبِ الأحزانِ
ولتاهَ قلبُ المرءِ بين متاهةٍ
تُفضي إلى البؤسِ الشديدِ العاني
لكنَّ بعضَ الذكرياتِ عزيزةٌ
تبقى على مرِّ السنينِ دواني
نحيا بها، ونصونُ منها لحظةً
حلوةَ المعاني، صادقةَ الألحانِ
ونطوي بها غدرَ الليالي كلَّما
أدمتْ جراحَ الروحِ والأجفانِ
فالوقتُ يمضي، والجراحُ تطيبُ في
صبرٍ جميلٍ ثابتِ الأركانِ
غيرَ الأحبةِ لا يغيبُ طيفُهم
مهما جرى البعدُ الطويلُ وداني
نتذكَّرُ الأشخاصَ في صمتِ الهوى
ونعيشُ بين الشوقِ والحرمانِ
قد كانَ بعضُهمُ وفيًّا صادقًا
أو كانَ غدَّارًا شديدَ الهجرانِ
لكنَّ أثرَهمُ يظلُّ بداخلٍ
كالنقشِ فوق صفحاتِنا الفتَّانِ
فهناكَ أرواحٌ تسكنُ قلبَنا
وتظلُّ أغلى كنزةِ الإنسانِ
لا يستطيعُ العقلُ محوَ حضورِهم
مهما تعاقبَ موكبُ الأزمانِ
فالنسيانُ يأتي مع مرورِ زمانِنا
لكنَّ حبَّ الصادقينَ تفانِي
تبقى الذكرياتُ الجميلةُ نبضةً
تحيا بها الأرواحُ والوجدانُ
بقلم عزه كامل 🖋️