الخميس، 25 يونيو 2026

Hiamemaloha

ق.ق / غرف مغلقة للكاتب طارق الحلواني

 غرف مغلقة    ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

كانت الريح تعبث بشعرها على شاطئ أزرق لا نهاية له.

وقفت أمامه.

لا تتكلم.

فقط تنظر إليه.

تلك النظرة التي لم تكن لغيره.

ثم ابتسمت.

ابتسامة صغيرة.

كأنها تعرفه منذ زمن بعيد.

مد يده إليها.

وفجأة جاء صوت زوجته:

ـ محمود.. اصحى!

فتح عينيه.

كان الفجر لم يكتمل بعد.

والبيت غارقا في فوضاه المعتادة.

قالت من المطبخ:

ـ الحق.. الميه بتنزل من تحت الحوض.

نهض متثاقلا.

أصلح التسريب.

ولما عاد إلى فراشه كان النوم قد رحل.

بعد ساعات دخل الشركة.

شغل الكمبيوتر.

رتب أوراقه.

ثم رفع عينيه نحو الباب الزجاجي.

كان يعرف موعد وصولها تقريبا.

بعد قليل ظهرت.

كاميليا.

تمشي بخفة لا تشبه أحدا في المكان.

حقيبة أنيقة.

وحذاء لامع.

وعطر خفيف يمر في الممرات قبل أن تمر هي.

حين مرت بجواره قالت:

ـ صباح الخير.

فبقي صوتها معه حتى الظهيرة.

لم تكن أجمل امرأة رآها.

لكنه كان يراها أجمل امرأة في العالم.

وكان هذا يكفي.

شيئًا فشيئا أخذ يضيف إليها ما ينقص حياته.

في طريق العودة كان يجلس قرب النافذة في أتوبيس الشركة.

تمر الشوارع مزدحمة خلف الزجاج.

ويتأرجح الركاب مع المطبات.

أما المقعد المجاور فكان كثيرا ما يبقى خاليا.

وحين يخلو..

كانت كاميليا تأتي.

تجلس هناك.

تبتسم.

وتنصت إليه كما لم ينصت إليه أحد منذ سنوات.

كلما ضاق واقعه اتسعت كاميليا.

حتى صارت قبلة يتجه إليها كلما ضاق به العالم.

ثم اختفت.

أسبوعا.

ثم أسبوعين.

ثم شهرا كاملا.

شعر بشيء يشبه الفقد.

شيئا لا يحق له أن يشعر به.

وحين عادت بدت مختلفة.

وجه أكثر شحوبا.

وشعر أقل لمعانا.

أما ضحكتها فبدت كأنها تأتي من مكان بعيد.

ذات يوم مرت زميلة تتحدث إلى زوجها في الهاتف.

كانت تضحك وتقول:

ـ ماتنساش العيش وإنت راجع.

ابتسمت كاميليا تلقائيا.

وقالت:

ـ ربنا يخليكوا لبعض.

ثم عادت إلى أوراقها.

لكن الابتسامة انطفأت سريعا.

كأن ظلًا مر فوقها.

بعد أيام سمع اسم طبيب نفسي يتردد في أحاديث الموظفات.

ولم يسأل.

وفي مساء هادئ عاد إلى المكتب بعد انصراف الجميع.

كان قد نسي ملفا على مكتبه.

هناك رآها.

وحدها.

جالسة أمام شاشة سوداء.

تنظر إلى انعكاس وجهها.

بلا حركة.

كأنها لا تعرف المرأة التي تراها.

بعد لحظات فتحت حقيبتها.

أخرجت هاتفها.

ظهرت صورة شاب يبتسم.

تبدل وجهها.

كان شيئا أعمق من الحزن.

شيئا يشبه بيتا انطفأت أنواره.

مررت إصبعها فوق الصورة.

ثم أغلقت الهاتف.

وأخرجت شريط دواء.

ابتلعت قرصا.

وعادت تنظر إلى الشاشة.

طويلا.

طويلًا جدا.

شعر محمود أنه يقف أمام جرح لا يخصه.

فتراجع بهدوء.

وغادر.

لأول مرة لم يفكر في شعرها.

ولا في عطرها.

ولا في الشاطئ.

ولا في المرأة التي بناها حجرا فوق حجر داخل خياله.

فكر فقط في تلك الوحدة الهائلة التي لمحها للحظات.

عاد إلى البيت.

فتح الباب.

استقبله الضجيج المعتاد.

أحد الولدين يبكي.

والآخر يراجع واجبه على عجل.

ورائحة البصل المحمر تملأ المكان.

خرجت زوجته من المطبخ.

شعرها منكوش.

وعلى جبينها حبات عرق صغيرة.

قالت دون أن تنظر إليه:

ـ الحمد لله إنك جيت.. الغسالة عطلت.

ثم أشارت إلى كيس الخضار فوق الطاولة:

ـ يلا غير هدومك وتعال ساعدني.

نظر إليها طويلا.

على غير عادته.

رأى خيوطا بيضاء بدأت تتسلل إلى شعرها.

ورأى تعبا قديما لم ينتبه إليه.

ورأى سنوات كاملة وقفت فيها بينه وبين فوضى الحياة.

كل يوم.

في صمت.

رفعت رأسها أخيرا.

وقالت:

ـ مالك؟

ابتسم.

وأخذ منها كيس الخضار.

ودخل إلى المطبخ.

وقبل أن ينام تذكر كاميليا.

المرأة التي ظن يوما أنها باب نجاة.

ثم تذكرها جالسة أمام الشاشة السوداء.

وحيدة.

منطفئة.

فعرف أن أحدا لا يعيش الحياة التي نحسده عليها كاملة.

وأن لكل قلب غرفا مغلقة لا يراها أحد.

بعض الجراح تظهر.

وبعضها الآخر...

تفوح منه رائحة العطر.


طارق الحلوانى 

يونيو ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :