السبت، 6 يونيو 2026

Hiamemaloha

ق.ق شاي بارد للكاتب طارق الحلواني

 شاي بارد  ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

جمعت الصدفة بينهما على طريقٍ واحد.

في البداية كان الأمر مجرد حديث عابر بين شخصين تجمعهما اهتمامات متشابهة. ثم تكرر الحديث، وتكررت المصادفات، حتى بدا وكأن الطريق نفسه صار يعرف موعد خطاهما.

اقتربا قليلًا.

ثم قليلًا أكثر.

واتفقا، دون أن يقولا ذلك صراحة، على أن تبقى الأمور في حدود الصداقة.

لكن بعض الأشياء لا تعترف بالاتفاقات.

كانت بينهما ألفة يصعب تفسيرها؛ فكرة يبدأها أحدهما فيكملها الآخر، وصمت يفهمه كل منهما دون حاجة إلى كلمات.

وحين انتبها إلى ما يحدث، حاولا التراجع.

هي أم لأربعة أبناء.

وهو رجل متزوج.

لذلك ابتعدا.

لكن المسافة لم تفعل ما كانا ينتظرانه منها.

صار يلمحها حيث لا تكون.

وأصبحت تطاردها ذكريات حاولت كثيرًا أن تنساها.

لم يحدث بينهما شيء.

ومع ذلك كان هناك ما يكفي ليؤرقهما.

ومع الوقت صار الخيال مكانًا يلتقيان فيه أكثر مما التقيا في الواقع.

في إحدى تلك الجلسات، كانت تجلس أمامه قرب نافذة تطل على البحر.

وكان الضوء ينساب على وجهها في هدوء.

كانت تتحدث.

لكنه لم يكن يسمع الكلمات.

كان منشغلًا بتأمل ملامحها.

فجأة جاءه صوت بعيد:

الشاي برد.

اختفى البحر.

واختفت النافذة.

ورفع رأسه.

كان جالسًا في غرفة المعيشة.

فنجان الشاي أمامه على المنضدة.

وزوجته إلى جواره، تغزل قطعة تريكو، وتتحدث منذ دقائق وهو لا يسمع.

نظرت إليه وقالت:

بكلمك من بدري..إنت سرحان في إيه؟

ابتسم في ارتباك.

هزت رأسها، ثم رفعت قطعة التريكو قليلًا.

إيه رأيك في اللون ده؟

نظر إليها.

أو حاول.

لكن الاسم خرج من فمه قبل أن ينتبه:

حلو يا نادية.

توقفت الإبرة بين أصابعها.

ورفع رأسه فجأة.

اسمها لم يكن نادية.

ساد الصمت لحظة.

ثم التفت إلى التلفاز.

كان فيلم قديم يُعرض بصوت منخفض.

وفي اللحظة نفسها جاء صوت الممثل:

نادية..

تنهدت زوجته وعادت إلى غزلها.

كنت عارفة إنك مركز مع الفيلم أكتر مني.

لم يرد.

ظل يتابع حركة أصابعها فوق الخيط.

غرزة..

ثم أخرى..

ثم أخرى.

بعد قليل أخطأت في غرزة.

تأملها وهي تبتسم.

ثم فكتها بهدوء وأعادت نسجها من جديد.

عندها فقط انتبه إلى ما كانت تفعله منذ بداية المساء.

زوجته كانت تغزل سترة شتوية.

أما هو..

فكان يغزل امرأة.

امرأة من كلمات لم تُقل، ومن ملامح استعارتها الذاكرة، ومن حنين وجد طريقه إلى قلبه دون استئذان.

ظل يتابع أصابعها طويلًا.

وهي تفك الغرزة وتعيدها بسهولة.

وأدرك أن بعض ما ننسجه في الخيال لا يُفك أبدًا.


طارق الحلوانى 

يونيو ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :