السبت، 13 يونيو 2026

Hiamemaloha

ق.ق حالة وفاء للكاتب طارق الحلواني

 حالة وفاء        ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

كان يعرف حرارة الفرن أكثر مما يعرف حرارة الشمس.

قبل أن يطلع النهار، يكون قد نخل الدقيق، وعجن أول دفعة، وأشعل النار في جوف الفرن الحجري. وحين تنتفخ الأرغفة ويستوي لونها، كان يتذكر أباه.

كان أبوه خبازا.

ومنذ أن قويت يداه على حمل جوال الدقيق، أخذ يعلمه أسرار المهنة.

"دع العجين يتنفس."

وكان كلما التصقت قطعة عجين بأصابعه، تذكر اليد الخشنة التي قالتها.

جاء إلى القاهرة صغيرا.

ترك المدرسة.

وترك وراءه أم، وأخوين، وأب أرهقه المرض.

وكان يعد نفسه كل شهر بأنه سيجمع ما يكفي لعلاجه.

لكن الشهور كانت أسرع من المال.

الشيء الوحيد الذي كان يخفف عنه وطأة الأيام دقائق قليلة كل صباح.

حين تأتي وفاء.

ابنة المعلم.

تدخل، تأخذ مصروف البيت من أبيها، ثم تمضي.

لم يحدث بينهما حديث.

ومع ذلك كان ينتظرها أكثر مما ينتظر راحة المساء.

في ذلك الصباح الشتوي، تأخرت.

نظر إلى الباب.

ثم إلى الساعة.

ثم إلى الباب مرة أخرى.

أما المعلم فجاء شاردا على غير عادته.

اقترب منه بعد قليل وقال:

- خذ الأرغفة إلى البيت.. واسبقني.

ثم أضاف:

- عندنا حالة وفاة.

وفي اللحظة نفسها ارتطم الحديد بحافة الفرن.

فضاعت التاء الأخيرة.

ولم يسمع إلا:

"وفاء."

خرج يحمل الأرغفة.

وكان الطريق كله يمضي به نحوها.

لكن الشارع بدا مختلفا.

رجال أمام البيت.

ونسوة بثياب سوداء.

وهمسات يقطعها بين حين وآخر صوت يقول:

"البقاء لله."

توقف.

وبحث عنها.

ثم رأى عم رمضان.

جارهم في القرية.

اقترب الرجل منه.

وقال:

- جاء البارحة للعلاج..

وسكت.

ثم أشار إلى جوار الباب.

- وكان يريد أن يراك.

التفت.

فرأى العصا.

عصا أبيه.

تستند إلى الحائط.

وبجوارها الحقيبة القماشية القديمة.

خرج المعلم من بين الواقفين.

ناولَه العصا.

وقال:

- ترك لك هذه.

ثم سكت قليلًا.

وأضاف:

- وقبل أن يرحل قال لي: إذا جاء ابني..فلا توقظوني..سأكون قد رأيته.

مد يده.

وأخذ العصا.

ظل ينظر إلى المقبض المصقول.

إلى النتوءات الصغيرة التي صنعتها أصابع أبيه عبر السنين.

مرر إبهامه عليها ببطء.

ثم رفع العصا.

وأراح خده عليها.

 في تلك اللحظة انزلق رغيف من بين ذراعيه، وسقط عند العتبة.

وأطبق على العصا.

وعرف متأخرا..

لماذا جاء إليه أبوه هذه المرة٠


طارق الحلوانى 

يونيو ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :