شيئ من الخوف
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كنت أحتسي قهوتي الصباحية وأطالع الأخبار كعادتي، حين توقفت أمام خبر جعل الكلمات تبدو أثقل من أن تُقرأ.
أب يعتدي على ابنته القاصر، ويتحرش بابنتيه الأخريين.
أعدت قراءة الخبر أكثر من مرة.
لم أكن أحاول التأكد من التفاصيل، بل كنت أحاول استيعاب المعنى.
كيف يصل إنسان إلى هذه الدرجة من السقوط؟
وكيف تتحول اليد التي خُلقت للحماية إلى أداة أذى؟
لكن بعد دقائق من الغضب والاشمئزاز، وجدت نفسي أمام سؤال أكثر إزعاجا:
هل المشكلة في هذا الأب وحده؟
أم أن هذا الخبر مجرد عرض لمرض أكبر يتسلل إلى المجتمع بصمت؟
منذ فترة ليست طويلة قرأت عن ابن حاول الاعتداء على أمه. وقبلها قرأنا عن جرائم عنف أسري، وتحـرش، وإدمان، وانهيار علاقات كان يُفترض أنها الأكثر قداسة وحماية.
لا أتحدث هنا عن حوادث فردية معزولة.
ولا أزعم أن المجتمع انهار أو أن الخير اختفى.
لكن من حقنا أن نعترف بأن هناك جرس إنذار يدق بقوة.
شيء ما يتغير.
وشيء ما يتآكل.
وشيء ما لم يعد كما كان.
لقد أصبحنا نناقش الأسعار أكثر مما نناقش التربية.
ونتابع أرقام الأسواق أكثر مما نتابع أحوال البيوت.
ونقيس النجاح بما يملكه الإنسان لا بما يحمله من قيم.
ثم نتساءل بعد ذلك: كيف وصلنا إلى هنا؟
الحقيقة المرة أن الجريمة لا تولد فجأة.
وراء كل انحراف كبير سلسلة طويلة من الإهمال.
إهمال في التربية.
إهمال في التعليم.
إهمال في بناء الضمير.
إهمال في علاج المرض النفسي.
إهمال في مواجهة الإدمان.
وإهمال أكبر في الاعتراف بأن لدينا مشكلة أصلا.
نعم، الفقر مؤلم.
لكن ملايين الفقراء شرفاء.
ونعم، المرض النفسي موجود.
لكن ملايين المرضى لا يؤذون أحدا.
ونعم، المخدرات كارثة.
لكنها ليست التفسير الوحيد.
لذلك فإن البحث عن شماعة نعلق عليها كل الأخطاء ليس حلا.
المشكلة أعمق.
نحن نعيش زمنا تتراجع فيه بعض القيم أسرع مما نتخيل.
زمنا أصبح فيه كثير من الناس يشعرون بالوحدة رغم الزحام.
وبالضياع رغم وفرة المعلومات.
وبالفراغ رغم كثرة وسائل الترفيه.
لدينا كل وسائل الاتصال، لكننا نفقد القدرة على التواصل الحقيقي.
ولدينا آلاف الشاشات، لكننا لا نجد وقتا كافيا لننظر في عيون أبنائنا.
الخوف الحقيقي ليس من مجرم هنا أو منحرف هناك.
المجرمون كانوا موجودين دائمًا.
الخوف الحقيقي أن يصبح الخبر عاديا.
أن نقرأه دون أن نهتز.
أن نمر عليه كما نمر على حالة الطقس.
أن يعتاد ضميرنا ما كان يرفضه بالأمس.
عندها لا تكون المشكلة في الجريمة.
بل في اعتيادها.
ولا تكون الكارثة في المجرم.
بل في المجتمع الذي فقد قدرته على الدهشة والغضب.
إن قوة أي مجتمع لا تُقاس بعدد أبراجه ولا بحجم مشروعاته ولا بأرقام حساباته.
بل تُقاس بشيء أبسط كثيرا:
هل يشعر الطفل بالأمان في بيته؟
هل تشعر الفتاة أن أسرتها حصن لها لا مصدر خوف منها؟
هل تشعر الأم أن أبناءها امتداد لرحمتها لا تهديدا لها؟
إذا اهتزت هذه المعاني، فعلينا أن نتوقف طويلا.
لا لنجلد أنفسنا.
ولا لنبكي على الماضي.
بل لنعترف بأن حماية المجتمع لا تبدأ من السجون والمحاكم فقط.
بل تبدأ من البيت.
من المدرسة.
من القدوة.
من الضمير.
من كلمة حق تُقال في وقتها.
ومن شجاعة مواجهة الخلل قبل أن يتحول إلى كارثة.
أما السؤال الذي يؤرقني حقا فليس: إلى أين وصلنا؟
بل:
إلى أي نقطة سنصل إذا استمررنا في اعتبار كل جرس إنذار مجرد خبر جديد في صفحة الحوادث؟
طارق الحلوانى
يونيو ٢٠٢٦
(حوادث حدثت هذا الأسبوع بالفعل )