معلقة ؛ هل يبقى الأثر ؟
بقلمي ؛ الشاعر محمد علي باني
ألا ليت شعري هل إذا ضمني الثرى
سيبقى جميل الذكر في الناس خالدا ؟
وهل بذكر القراء شعري اذا انقضى
زماني وصار الجسم في اللحد هامدا ؟
وأبصر نعشي في الخيال مشيعا
وحولي رجال بالأسى قد توشدا
وأسمع صوت الحزن ينساب خافقا
كأن صدى الأيام عاد مجددا
وألمح أبناء وقفت لأجلهم
سنينا فهل يبقى ودادي مؤبدا ؟
أتبكي عيونا كنت أمسح دمعها
إذا غاب وجهي واستحال الى السدى ؟
وهل يدعون الله لي في خلوة
إذا ما واراني التراب موسدا ؟
أم الدهر يطوي كل عهد عرفته
ويبقى من الذكرى خيالا مبددا ؟
وأين قصيدي ؟ هل سيبقى محلقا
إذا غاب من كان القوافي منشدا ؟
وهل تحمل الأبيات صوتي اذا انقضى
زماني ، وصار الجسم في الأرض ملحدا ؟
وهل يقرأ الأحفاد يوما حكاية
عن الجد إذا عاش الفضائل مقصدا ؟
وهل يذكر القراء حرفا كتبته
إذا كان في درب الحقيقة مرشدا ؟
ام الريح تطوي ما سطرت كأنه
سراب بدا للعين ثم تبددا ؟
فكم شاعر وارى التراب جسده
وما مات شعر كان للناس موقدا
وكم عالم غابت ملامح وجهه
وبقى الذي قد شيد العقل شاهدا
وأين رفاق الدرب ؟ أين مجالس
قضينا بها عمرا من الود ممتدا ؟
وأين الوجوه الضاحكات إذا انطوى
كتابي ، وصار الصمت بعدي مسيدا ؟
وأين ليال بالحديث أنستها
وكانت ترى في العين بدرا مجددا ؟
تمر بخاطري الذكرى فأبصر جمعهم
كأن لم يكن بيني وبينهم غدا
فمنهم صديق كان للنفس مؤنسا
إذا ضاق صدر المرء بالهم أسعدا
ومنهم وفي لا يغير عهده
إذا هبت الأيام ريحا وأرعدا
ولكن حكم الله في الخلق نافذ
فلا صاحب يبقى ، ولا من توددا
يمر بنا العمر السريع كأنه
سحاب جرى في الأفق ثم تبددا
هنالك أدركت الحقيفة إنما
بقاء الفتى بالأثر الصالح اهتدى
فلا المال يبقى ، لا القصور ولا الغنى
ولا الجاه إن غابت فضائل من بدا
ولكن ذكرى الصالحين كأنه
عبير على مر الليالي تجددا
فإن خلفت علما نافعا أو فضيلة
رأيت لها بعد الرحيل توددا
وإن ربيت جيلا بالهداية والتقى
فذلك الذي يبقى ، ويحمد مقصدا
وإن كنت قد داويت قلبا بكلمة
واطفأت من نار الخصام توقدا
وإن كنت قد أصلحت بين متخاصم
فصار الذي قد كان حقدا موددا
وإن كنت قد خطت يدايا قصيدة
تعين فتى أو توقظ العقل راقدا
فذاك الذي يبقى إذا غاب صاحب
ويجري كما يجري العدير مجددا
فلا تسألوا ؛ أين الفقيد ؟ فإنه
مضى حيث يمضي الخلق عبدا مجردا
ولكن سلوا ؛ ماذا تركت وراءك ؟
فذاك الذي يبقى إذا العمر أنفدا
فطوبى لمن كانت حياته رسالة
ومضى ، وترك للخير دربا ممهدا
إذا مات جسم المرء غاب ترابه
ولكن حسن الذكر يبقى مخلدا
التوقيع ؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس