الثلاثاء، 30 يونيو 2026

Hiamemaloha

جنة بالتقسيط ق.ق للكاتب طارق الحلواني

 جنة بالتقسيط  ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

كان عرابى يحب الشتاء.

فى شقته الصغيرة، بالدور الخامس، آخر دور فى بيت قديم بإمبابة، كانت الشمس تعرف حدودها؛ تزور الشرفة ساعة أو ساعتين ثم تمضى، تاركة دفئا خفيفا ينساب فى الجدران. أما الصيف، فكان يأتى كغازٍ لا يعرف الرحمة. تستقر الشمس فوق السطح منذ الصباح، وتظل تصب نارها حتى يتحول البيت إلى صندوق من صفيح، وتصبح المراوح مجرد أجنحة تدور فى الهواء الساخن.

كان عرابى يضحك وهو يقول لزوجته:

ـ إحنا مش ساكنين فى الدور الخامس.. إحنا ساكنين جنب الشمس.

فترد زينب وهى تمسح العرق عن جبين أصغر أولادها:

ـ يا ريت الشمس تدفع إيجار.

ثم يضحكان، لأن الضحك كان أرخص وسيلة لمقاومة الحر.

اعتاد هو وزوجته وأطفاله الأربعة أن يقضوا نهارات الصيف بالملابس الداخلية، وأصبحت زيارة الأقارب مغامرة لا يكررها أحد. مرة واحدة صعدوا السلالم، وخرجوا بعدها يقسمون ألا يزوروا عرابى إلا فى الشتاء.

فى صباح يوم، وزعت الإدارة بمنشورًا عن بيع أجهزة منزلية بالتقسيط بضمان الراتب. انشغل الموظفون بالحسابات؛ هذا يريد ثلاجة، وذاك يحلم بغسالة، وثالث يسأل عن بوتاجاز. أما عرابى، فقد توقف أمام جهاز تكييف كأن بينهما موعدا قديما.

ظل يتأمله طويلا.

لم ير قطعة حديد، بل رأى أطفاله نائمين فى هدوء، وزينب تطبخ دون أن تغرق فى العرق، ورأى نفسه يعود من العمل فلا يستقبله لهيب الشقة، بل نسمة باردة تمحو عن كتفيه تعب النهار.

سأل عن السعر.

وحين عرف قيمة القسط، هبط الحلم إلى الأرض.

قال البائع وهو يبتسم:

ـ لو دفعت مقدم، القسط هيخف.

ابتسم عرابى ابتسامة باهتة.

المقدم وحده كان يساوى شهورا من الادخار المستحيل.

عاد إلى البيت يحمل خيبته. لم يخف شيئا عن زينب. أنصتت إليه فى صمت، ثم قامت إلى الدولاب، وأخرجت غويشتى الذهب اللتين ورثتهما عن أمها.

وضعتهما فى يده.

ارتبك.

ـ إنتى مجنونة؟

قالت بهدوء:

ـ أمى كانت تقول: الذهب للشدايد.. وأظن دى شدتنا.

ظل يقلب الغويشتين بين أصابعه. لم يشعر أنه يحمل ذهبا، بل يحمل عمر امرأة ماتت، وأمان امرأة ما زالت تحاول أن تستر بيتها.

فى اليوم التالى باعهما، ودفع المقدم، وأنهى الإجراءات.

وحين خرج بالتكييف محمولا فوق سيارة أجرة، ظل السائق يلتفت إليه بين الحين والآخر ويقول ضاحكا:

ـ مبروك يا باشا.. أخيرا هتعرفوا يعنى إيه صيف.

وصلت السيارة، فتجمع الأولاد والجيران حول الكرتونة الكبيرة. كان الأطفال يلمسونها بحذر، كأن بداخلها قطعة من الجنة.

وفى الصباح حضر الفنى ومعه مساعده.

ثبتا الحامل، وعلقا الجهاز، ومد الفنى يده إلى المفتاح وقال بثقة:

ـ بسم الله..

وقف الجميع.

عرابى.

زينب.

الأطفال الأربعة.

ضغط الفنى الزر.

ساد صمت قصير.

انتظر الجميع أن يندفع الهواء البارد.

لم يحدث شىء.

ضغط مرة ثانية.

ثم ثالثة.

ظل الصمت معلقا فى الغرفة، حتى إن أصغر الأطفال أنزل يده التى كان يلوح بها أمام فتحة الهواء.

نظر الفنى إلى مساعده.

ونظر المساعد إلى الجهاز.

ثم قال:

ـ هات شاكوش.

أخذ يدق.

ثم طلب مطرقة أكبر.

وتوالت الضربات.

وكان عرابى يشعر أن كل ضربة لا تقع على جسم التكييف، بل على صدره.

أما زينب، فقد أطفأت النار تحت إبريق الشاى، ووقفت عند باب المطبخ تضم طرف ثوبها بين أصابعها، دون أن تنطق.

وبعد ساعة، خرج الفنى يمسح عرقه.

قال فى حرج:

ـ إحنا عملنا اللى علينا... الظاهر فيه عطل. هنرجع الشركة، وإن شاء الله نتصل بحضرتك.

أغلق الباب.

ساد البيت صمت أثقل من الحر.

جلست زينب على أقرب مقعد، وقالت بصوت خافت:

ـ حتى الحلم.. طلع بايظ.

فى اليوم التالى، ظل عرابى يدور بين عمر أفندى والشركة، حتى اكتشف أن فاتورة الشراء تحمل عبارة صغيرة لم تقع عليها عيناه:

"يباع بدون ضمان."

قرأها أكثر من مرة، كأن الكلمات تتغير.

ثم طوى الورقة، وخرج إلى الشارع.

كانت الشمس فى منتصف السماء.

ولأول مرة، شعر أنها ليست فوق رأسه..

بل داخله.

فى مساء ذلك اليوم، جلس بعد صلاة المغرب أمام المسجد مع جاره الصحفى.

لم يكن ينوى الشكوى.

لكن الكلمات خرجت وحدها.

وحين انتهى، ظل الصحفى صامتًا، ثم قال:

ـ دى مش حكاية تكييف يا عرابى...

دى حكاية بلد.

فى الأسبوع التالى، تصدر التحقيق نصف صفحة كاملة.

«عرابى يحترق»

لم يكن المقال عن جهاز تكييف معطل، بل عن موظف بسيط باع غويشتى زوجته ليشترى قسطا من الراحة، فإذا به يقع بين بائع يتنصل، وشركة تتوارى، وأوراق صغيرة لا يقرأها أحد إلا بعد فوات الأوان.

فى صباح اليوم التالى، دخل عرابى مجمع التحرير فلم يجد مكتبا، بل وجد جمهورا.

أحد زملائه رفع الجريدة فى وجهه ضاحكا:

ـ يا نجم... إمضى لنا قبل ما تغلى!

وقال آخر:

ـ أهو صاحب التكييف!

حتى المدير خرج من مكتبه، صافحه مبتسما، ثم طلب نسخة من الجريدة.

وخارج المبنى، بدأت الحكاية تكبر.

صحف أخرى أعادت نشرها.

مجلات طلبت إجراء حوارات.

قناة فضائية عرضت عليه استضافته مقابل مكافأة.

وفى إمبابة، صار الأطفال إذا لمحوه فى الشارع صاحوا:

ـ عم عرابى... التكييف اشتغل ولا لسه؟

كان يبتسم فى حرج، ثم يمضى.

لم يكن معتادا أن يعرفه أحد.

وفى مساء اليوم نفسه، وجد رجلا أنيقا ينتظره أمام العمارة.

اقترب منه، ومد يده فى أدب.

ـ أستاذ عرابى؟

ـ أيوه.

ـ أنا مندوب الشركة.

دعاه إلى الشقة.

جلس الرجل، ونظر إلى التكييف المعلق على الحائط كأنه لا يراه لأول مرة، ثم قال:

ـ الشركة حريصة على رضا العملاء.. ومستعدة تركب لحضرتك جهاز جديد ، وتصرف تعويض مناسب، مقابل إنهاء الموضوع.

كانت زينب تسترق السمع من المطبخ.

خرجت تحمل صينية الشاى، وضعتها أمام الضيف، وقالت بهدوء:

ـ الكلام ده يستنى لبكره... الراجل محتاج يفكر.

فهم المندوب الرسالة، وانصرف.

أغلقت زينب الباب، ثم التفتت إلى زوجها.

قالت:

ـ هما مش خايفين عليك.. هما خايفين من الجرايد.

ظل ينظر إليها.

أكملت، وقد لمع فى عينيها بريق لم يره من قبل:

ـ اللى باع راحة الناس ما يخافش غير على سمعته.

سألها:

ـ يعنى؟

قالت:

ـ اطلب مليون جنيه.

اتسعت عيناه.

ـ مليون!

ـ أيوه.. نسيب شقة العذاب، ونشترى بيت يفتح النفس. واللى ضاع مننا يرجعلنا.

ظل صامتًا.

لأول مرة، لم ير فى زينب الزوجة التى تدبر مصروف البيت، بل امرأة تعرف متى تتمسك بحقها.

بدأت المفاوضات.

خفضت الشركة الرقم.

ورفعه عرابى.

وعادت الشركة بعرض جديد.

حتى انتهى الأمر إلى مبلغ كبير، وافقت عليه الشركة، وهى تفضل أن تدفعه مرة واحدة، على أن تدفع ثمن فضيحة لا تعرف إلى أين تنتهى.

وقع عرابى إقرارًا بانتهاء النزاع.

وتسلم الشيك.

خرج من البنك، ينظر إليه بين الحين والآخر، كأنه يخشى أن يختفى من بين أصابعه.

بعد أسابيع قليلة، كانت الأسرة تنتقل إلى شقة جديدة.

أوسع.

وأبرد.

وأقرب إلى السماء.. وأبعد عن النار.

وفى أول مشوار لها، طلبت زينب من السائق أن يقف أمام محل الصائغ.

دخلت.

وسألت عن غويشتى أمها.

أخرجهما الرجل من الخزينة.

ناولها إياهما.

ارتدتهما فى صمت.

ثم مررت أصابعها عليهما برفق، كأنها تصافح أمها بعد غياب.

وفى أول أيام الشتاء، جلس عرابى فى شرفته الجديدة.

كانت الشمس تشرق كما كانت دائمًا.

لكنها هذه المرة بدت وديعة.

رفع عينيه إلى التكييف الجديد، المعلق على الجدار.

لم يكن قد شغله بعد.

ابتسم.

ثم قال لزينب:

ـ شكله هيستنى للصيف.

ابتسمت هى الأخرى.

وأدركا معا أن الجنة..

لم تكن يوما ذلك الهواء البارد.

كانت أن يعيش الإنسان، ولو مرة، بلا خوف.


طارق الحلوانى 

يونيو٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :