راهبة بلا رأس
بقلم سيد حميد عطاالله الجزائري
كانت تقف في طرف الحقل كملكةٍ نسيت أن الزمن يخبئ في عباءته فأساً لا ترحم. ترفع رأسها إلى السماء كل صباح، وتغسل أصابعها الطويلة بأشعة الشمس، ثم تنثر على الأرض ذهبها الحلو فتفرح بها الأفواه الجائعة، وتتهادى الطيور بين سعفاتها كما تتهادى الأمنيات في قلب طفل صغير.
لكنها اليوم تقف بلا رأس.
تقف كأن الموت مرّ من هنا على مهل، واختارها من بين الأشجار كلها، ثم اقتطع منها تاجها وترك جسدها شاهداً على الجريمة.
جذعٌ طويل يحدق في الفراغ، كأن عينيه ما زالتا تبحثان عن السعفات التي كانت تلوح بها للريح، وعن الأعشاش التي كانت تنام بين ذراعيها، وعن البلح الذي كان يتدلى من صدرها كالعقود النفيسة.
ما أقسى أن يبقى الجسد بعد رحيل الروح.
وما أشد وجع الأشجار حين تموت واقفة.
كأنها راهبةٌ قضت عمرها كله في سجدة طويلة، فلما انتهت صلاتها سقط رأسها وبقي جسدها في محراب الأرض ينتظر قيامة لا تأتي.
مرت السنوات على خشبها اليابس كما تمر الأمراض على الجسد الواهن. تجعدت ملامحها، وتشققت ذاكرتها، وأصبح كل صدعٍ فيها يشبه تجعيدةً على وجه عجوز فقد أبناءه واحداً تلو الآخر.
كانت الحشائش الصغيرة تلتصق بجذعها كالأطفال حول أمهم، أما اليوم فقد صارت تنظر إليها من بعيد بخوفٍ وحيرة، كأنها لا تعرف كيف تحولت تلك الأم الحنون إلى هذا الشبح الصامت.
الطيور أيضاً لم تنسها.
كلما مرت فوقها أسراب السنونو أو الحمام خفقت أجنحتها بحزن خفي، وكأنها تتذكر ليالي المطر حين كانت تلك النخلة تفتح ذراعيها الخضراوين لتحمي الأعشاش من البلل والرياح.
بعض الطيور تهبط قربها لحظات، ثم تطلق صوتاً حزيناً يشبه المراثي القديمة، قبل أن تغادر.
كأنها جاءت لتقرأ الفاتحة على قبر صديقة قديمة.
أما القمر، ذلك الرفيق الذي كان يعلق ضوءه بين سعفاتها كل ليلة، فقد أصبح أكثر شحوباً حين يراها.
يضرب ضوؤه على الجذع المقطوع فيبدو المكان كأن السماء تضع كفناً من نور فوق ميتٍ لم يُدفن بعد.
حتى النجوم تبدو أقل كلاماً بالقرب منها.
وكأن الكون كله يعرف أن شيئاً عظيماً قد غاب.
كانت ذات يوم بيتاً للحياة.
واليوم أصبحت بيتاً للغياب.
النمل يخرج من شقوقها كما تخرج الذكريات من جروح القلب. والبوم يستوطن فراغاتها المظلمة، فيملأ الليل بأصوات تشبه أنين البيوت المهجورة.
كل شيء فيها يروي قصة النهاية.
كل جزء منها يهمس بأن العمر مهما طال فإنه ينتهي إلى خشبٍ صامت وترابٍ بارد.
تمر الحيوانات فتقف عندها قليلاً.
لا أحد يعلم لماذا.
لكنها تقف.
كأن في المكان قبراً لا يراه أحد.
كأن أرواح الحقول تعرف ما لا تعرفه العيون.
تشم الأرض حولها، ثم تنظر إلى الجذع الساكن، وتغادر ببطء كما يغادر الزائر مقبرة شخص عزيز.
ولعل أكثر ما يوجع فيها أنها لم تسقط.
لو سقطت لربما انتهى الحزن.
لكنها بقيت واقفة.
واقفة كذكرى لا تريد أن تموت.
واقفة كأم تنتظر أبناءً لن يعودوا.
واقفة كمن يرفض تصديق خبر وفاته.
إنها لا تشبه شجرة ميتة بقدر ما تشبه حياةً كاملة أُطفئت فجأة.
تشبه بيتاً كان عامراً بالضحكات ثم غادره أهله وبقيت الجدران تحفظ أصواتهم.
تشبه دفتراً قديماً أكلت الرطوبة حروفه لكن رائحة أصحابه ما زالت عالقة بين صفحاته.
وتبقى هناك...
في صمتها المهيب.
في وحدتها الثقيلة.
في وقفتها التي تشبه الوقوف على حافة البكاء.
كأنها تقول لكل عابر:
لا تحزنوا لأجلي وحدي، فكل ما ترونه أخضر اليوم يحمل في داخله موعداً سرياً مع الذبول، وكل ما يلامس السماء الآن سيعود يوماً إلى الأرض، وكل تاجٍ مهما ارتفع فوق الرؤوس ستأتي ساعة يسقط فيها، ويبقى الجذع وحيداً يروي للريح حكاية مجدٍ بعيد، وحياةٍ كانت هنا... ثم مضت دون رجعة.