الأحد، 5 يوليو 2026

Hiamemaloha

فلسفة الانسحاب للشاعر محمد عربي

 فلسفة الانسحاب

بقلم محمد عربي

ليس كلُّ من غادرَ الطريقَ

كان عاجزًا عن إكماله،

فبعضُ الطرقِ

تعتذرُ للقدمين

بعد أن تكتشفَ

أنها لا تؤدي إلا إلى الدوران.

تعلمتُ متأخرًا

أن البطولة

ليست في أن تبقى دائمًا،

بل في أن تعرف

متى يصبح البقاء

خيانةً لقلبك،

واستهلاكًا لروحك،

وتأجيلًا لكرامتك.

انسحبتُ...

لا لأنني هُزمت،

بل لأنني سئمتُ

أن أشرح النور

لمن يفاوض الشمس

على ثمنِ الضياء.

انسحبتُ

حين أدركتُ

أن بعضَ المجالس

لا تُدار بالحكمة،

بل بارتفاع الأصوات،

وأن بعضَ الانتصارات

لا تحتاج إلى عقل،

بل إلى جمهورٍ يصفق

لأول من يتكلم.

تركتُ الأماكن

التي كانت تُقاس فيها قيمة الإنسان

بما يملك،

لا بما يمنح،

وبعددِ الوجوه التي تعرف اسمه،

لا بعددِ القلوب التي تذكر أثره.

أيها العابرون...

ليس كلُّ انسحابٍ

رايةً بيضاء.

أحيانًا

يكون الرايةَ الوحيدة

التي لم تتلوث.

كم من كلمةٍ

نجت لأنها لم تُقل،

وكم من خصومةٍ

ماتت لأن أحد الطرفين

اختار الصمت

بدل الوقود.

إنني لا أهرب،

أنا فقط

أرفض أن أكون

وقودًا لمعركة

لا تُنجب إلا الرماد.

لا أريد أن أنتصر

إذا كان ثمنُ النصر

أن أخسر نفسي.

ولا أريد أن أربح

تصفيقَ الحشود،

وأعود إلى الليل

غريبًا عن ضميري.

الانسحاب

ليس نهايةَ الشجاعة،

بل بدايتها.

هو أن تقول:

يكفي...

حين يعجز الجميع

عن نطقها.

هو أن تغلق الباب

الذي يسرق منك

طمأنينتك،

وتفتح نافذةً

على هواءٍ

لا يعرف أسماء الخصومات.

تعلمتُ

أن الأشجار

لا تناقش الفؤوس،

بل تستمر في إنبات الأوراق.

وأن البحر

لا يلاحق الحجارة

التي تُلقى فيه،

بل يحولها،

بصبر الزمن،

إلى حصى ناعم.

لهذا

اخترتُ الانسحاب

من كل علاقةٍ

تطلب مني

أن أتنازل عن احترامي لنفسي،

ومن كل حديثٍ

يبحث عن الغلبة

ولا يبحث عن الحقيقة.

لن أقاتل

لأثبت أنني على حق،

فالحقُّ

لا يحتاج إلى صراخٍ دائم،

كما أن الشمس

لا تخرج كل صباح

لتقنع الناس

أنها شمس.

سأنسحب...

وأحمل معي

ما لا يستطيع أحدٌ سرقته:

هدوء القلب،

ونظافة اليد،

وصدق الكلمة،

وكرامة الروح.

فإذا سألوني يومًا:

لماذا تركت؟

سأبتسم وأقول:

لأنني فهمتُ

أن بعضَ الأبواب

لا تُغلق هزيمةً،

بل احترامًا لما تبقى

من الإنسان في الإنسان.


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :