أبو العلاء المعرّي
غالتْ بنات الدّهر في الجّور ولم
أحتسِ إلّا خيبةً و علقما
طيش الشباب ساقني لبابهم
مع الطغاة ، الفكر عقداً أبرما
زلفى ذهبتُ للأمير. مادحا
أبغي رضا من نال جاهاً أو سما
لكنّ فكري هژّ سيفَ عزًتي
و أبى صنيع الخانعين مُلزَما
قَبَضْتُ كفّي عن رخيصٍ مقسما
ألّا يُباع الفكر أو أن يُسحما
حرّ أنا لا أرتضي درب الخنا
حتّى و إن طلتُ بكفّي الأنجما
فقدتُ رؤيتي و أمّي بعدها
أُقْحِمتُ مركب الحياة هائما
أبكيكِ لو كان العويل ناجعا
ما نفع نوحي ،هل يُعيد النوّما ؟
حسبي من الدنيا فقدتُ نورها
فلا أرى منافقاً أو ظالما
لزِمتُ بيتي تاركاً ظلم الورى
و كلّ فظٍ جاهلٍ تَحَكَّمَا
لم أَتّخِذْ حَليْلةً مخافةً
من أن يُذلَّ طفلُها و يأثما
فَقْدُ عيوني لم يعقْ بصيرتي
بل سُوِّيتْ مثل شهابٍ إذ رمى
على هدى الرحمن أمشي مبصرا
و خافقي نحو المعالي قد سما
قد لامني القوم وقالوا مُلْحِدا
فالعلم نور للذي قد فهِما
فالشّك قنديلٌ ينيرُ عقلنا
والعقل يأبى أن يكون نائما
يشقّ صدرَ الجهلِ مثل معولٍ
و يُبْلجُ اليقينُ ما قد أُبْهِِما
جَوْرُ الأنام قد طغى حتّى على
دبيبةٍ أو طائرٍ علا ، طَمَا
عقدْتُ عزمي أن أعيش أخضرا
فالكائنات أُبرِئَت كي تسلَما
لم أُؤذِ يوماً خَلْقَهُ ، و كم قَسَوا
فأوجعوا طيراً ضعيفاً أبْكما
خططتُ بالعزم الرفيع مَجْديا
و إنْ غدا سهم الزمان أسهما
صدحتُ بالضّاد فصيحاً بارعا
وصار فكري للحصيف معْجَما
لم تلقَ نِدّاً في يُمُومِ حكمتي
و الجهل ُ فوق شطّهِ تحطّما
مزْنُ أنا إذا تجلّتْ فطنتي
أغرقتُ كلّ جاهلٍ ، إذْ ما هَمَى
بقلمي : مروان خلوف