مدافن الوعي: شواهد السديم والشرخ الأخير بقلم: أ. حسناوي سليمي
كانت المقبرة المهجورة الجاثمة على حافة المدى الصحراوي تلتحف بالسديم، تواجه براري من الرمال لا تكف عن النحيب مع هبوب الرياح. هناك، حيث تلتقي العواصف العاتية بالصخور الصماء وسط القبور المنسية، كان "سليم" يقف عند ضريح متهدم، يراقب القوافل الراحلة التي أطفأت قناديلها طوعاً، واختارت التوغل بعيداً في البيداء دون كلمة وداع. كان غيابهم يمتد في الأفق كالملح، ثقيلاً، يغرس برودته بين الشواهد الساكنة وفي جدران روحه.
من عتمة المدافن المنهارة، خرج "حارس المقبرة"؛ رجل عجوز بدا وكأنه نبت من حجارة المكان وترابه، يرتدي معطفاً بلون الأرض، ويحمل في عينيه عمق الأغوار. نظر إلى سليم وقال بصوت يشبه صرير الأبواب القديمة:
"لا تتبع أثراً في الرمال يا بني.. فالذين تاهوا في رمال الاستغناء بمحض غوايتهم، لم تأخذهم الرياح رغماً عنهم، بل هم من فكوا الحبال واختاروا الغياب."
التفت إليه سليم، وسقطت من عينيه دمعة وحيدة، امتزجت بغبار الصحراء العالق، وأجاب بصوت مخنوق:
"لكنهم كانوا الشواهد والجدران التي تسند وجودي يا حارس.. كيف أحن لأرواح صببتُ عمرانً من الود في تفاصيلها، ثم اختارت أن تسقط من سقف أيامي وتتركني وحيداً وسط مدافن العراء؟"
نفض الحارس غبار السنين عن رداءه، وأشار بعصاه نحو الأفق الغامض قائلاً:
دعهم يغرقون في نسيانهم. ليكن أفولهم كدمعة عبرت مآقيك ثم هوت في لجة الرمال. إنه ألم عابر يغسل البصيرة، ليرتد إليك بصرك حديداً، فترى مواضع الشروخ العارية في قلبك. تذكر دائماً: الصدق الذي يسكنك بصدق لا يبيع قافلتك في مزادات التخلي، بل يشتري بقاءك بمهجته. ومن يراك ضياءً لعينيه، لن يكون يوماً سبباً في عماك أو ضياع خطاك بين رمال الخيبة.
صمت سليم، واستمع إلى عواء الرياح العنيف في الأسفل، ثم قال بأسى:
لقد أمضيت مواسم كاملة أشيّد موقداً عظيماً وسط هذه المقبرة لتنير ناره عتمة الصحراء، نسجت ضوءها من شغفي لتهتدي به السبيل، فتهدم وابتلعت جمره الكثبان قبل أن يهدي أولى القوافل. هل ضاع العمر في وادٍ سحيق؟
اقترب الحارس، ووضع كفه الخشنة على كف سليم وقال بيقين فلسفي مهيب:
في محراب السعي تكمن الهيبة، والوقوف على أطلال المقابر والذكريات يسلبك ثباتك. أعر البيداء جهدك، واغرس في صخر الأيام كفاحك، ودثر قلبك بدثار الصبر الجميل. قد تبيت الليلة باكياً على موقدٍ هدمته الرمال، وما تدري أن سعة حلم الغيب إنما منعها عنك لأن الأقدار تخبئ لك فجراً وارف الظلال، يليق بصبرك الطويل.
ثم التفت العجوز نحو جدار حجري تداعى للسقوط واستطرد:
احفظ عن الأقدمين هندسة الحجارة والروح: لا تبتنِ صرحاً إلا على أساس رصين، ولا تصطفِ من الخلّان إلا الصريح الفطين. ضع كل عابر في مقامه الذي يستحق؛ لا ترفع وضيعاً إلى منازل رفعتك، ولا تسترخص عزيزاً في زحام العواصف. إنك إن فقهت هذه الهندسة، ومشيت بقلب حذر وعقل واعد، عبرت براري الحياة بسلام، ولم تنهشك ذئاب الغدر وإن عوى حولك الزمان!
التفت سليم نحو الرمال الممتدة، ولم يعد يرى في رحيلهم هدماً للوجود، بل إخلاءً للمساحة ودفناً للأوهام. التقط حجراً رصيناً، وبدأ في ترميم الشرخ الأخير في جدار وعيه الحاد، مستعداً لمواجهة عواصف الأيام بقلب حي جديد.