"الخذلان... سقوط الوهم لا رحيل الأشخاص"
ليس الوجع الحقيقي في أن يغادرنا الناس، بل في أن تغادرنا الأوهام التي أسكنّاهم فيها.
فالخذلان لا يبدأ من فعلٍ يصدر عن الآخر، وإنما من اللحظة التي تتصدّع فيها الصورة التي بنيناها له في أعماقنا، حين تصبح تلك الصورة أكبر من قدرته على أن يكونها.
فنحن لا نرى الأشخاص دائمًا كما هم، بل كما رسمتهم حاجتنا إلى الطمأنينة، وكما زيّنتهم رغباتنا بحبر التمنّي؛ حتى إذا نطقت الحقيقة بلُغتها المجردة، خُيّل إلينا أن العالم قد تغيّر، بينما الذي تغيّر في الحقيقة هو ميزان رؤيتنا وتوقعاتنا.
فالخذلان ليس صفعةً تأتي من الخارج، بل مرآةٌ تكشف ما شيدناه داخلنا من تصورات، وتعرّي المسافة بين الإنسان كما هو، والإنسان كما أردناه أن يكون.
إنها اللحظة التي ندرك فيها أن بعض يقيننا لم يكن سوى أمنيةٍ ارتدت ثوب الحقيقة، وأن كثيرًا مما سمّيناه وفاءً كان قائمًا على جمال ظنوننا أكثر مما كان قائمًا على واقعٍ رأيناه بوضوح.
ولهذا لا يأتي الخذلان دائمًا بصوتٍ مرتفع، بل يتسلل بصمتٍ يشبه انطفاء الضوء في آخر النهار؛ لا نعرف متى بدأ الغروب، لكننا نلتفت فجأةً فنجد العتمة قد أخذت مكانها.
يبدأ بتفصيلٍ صغير، بموقفٍ عابر، أو بكلمةٍ فقدت دفأها، ثم تتوالى الإشارات حتى يتحول اليقين إلى سؤال، وتصبح الذكريات نفسها بحاجةٍ إلى إعادة قراءة؛ لا لأن الماضي تغيّر، بل لأن أعيننا التي كانت تنظر إليه تغيّرت.
وعندها يكتشف الإنسان أن أكثر ما يؤلمه ليس ما فعله الآخر، بل ما أضافه هو إلى الآخر من معانٍ لم يقلها، ومن صفاتٍ لم يَعِد بها، ومن وعودٍ لم يقطعها.
فالقلب حين يحب لا يكتفي برؤية الحاضر، بل يملأ الفراغات بحسن ظنه، ويكتب بين السطور ما يتمنى أن يجده، حتى تأتي الحقيقة عاريةً من زينة الخيال، فيظهر الفرق بين الشخص الذي كان أمامه، والصورة التي صنعها عنه.
ومع ذلك، فالخذلان ليس نهاية المعرفة، بل أحد أبوابها القاسية. فهو يعلّمنا أن المحبة لا تحتاج إلى تقديس، وأن الثقة لا تعني أن ننزع عن الآخرين بشريتهم، وأن الخطأ الأكبر ليس دائمًا في اختيار الأشخاص، بل في منحهم أدوارًا لم يطلبوها، وتحميلهم أوزانًا من التوقعات لم يلتزموا بحملها.
وفي النهاية، لا ينكسر الإنسان لأن أحدًا خالف ظنه فقط، بل لأنه يكتشف أن جزءًا من الحكاية كان يكتبه وحده، بينما كان يظن أن هناك يدًا أخرى تشاركه السطور.
وحين يستيقظ من هذا الوهم، لا يفقد الآخر فحسب، بل يستعيد نفسه من بين أنقاض الصورة القديمة؛ تلك النفس التي كانت تظن أن الحب وحده يصنع الحقيقة.
ثم يتعلم أن النضج ليس أن نتوقف عن منح القلوب ثقتنا، بل أن نتوقف عن منحها صورًا لا تحتملها. فبعض الخيبات لا تأتي لتأخذ منا أحدًا، بل لتعيد إلينا أنفسنا بعد أن أضعناها طويلًا ونحن نبحث عن حقيقتنا في عيون الآخرين.
✍🏻د. راوية عبدالله 🇾🇪