الاثنين، 20 يوليو 2026

Hiamemaloha

مالا تركه المساغات للدكتورة راوية عبدالله

 "ما لا تُدركه المسافات" 


 ثمة لقاءات لا تحتاج إلى طريق، ولا تستأذن الزمن كي تحدث.   


يكفي أن يمرّ خاطرٌ هادئ في القلب حتى تتبدّل هيئة العالم، وكأن روحًا بعيدة أزاحت عن النهار شيئًا من ثقله. 


  عندها يدرك الإنسان أن للمحبة جغرافيا لا تعرف الخرائط، وأن بعض الوجوه تقيم في الداخل إقامة الضوء في النافذة؛ لا يُرى وهو يدخل، لكن كل شيء بعده يصبح أكثر وضوحًا. 


 ولعل أجمل ما في الأرواح أنها لا تُحسن حساب المسافات. فهي لا تعدّ الأيام التي غاب فيها الأحبة، ولا تقيس الودّ بعدد اللقاءات، بل بما يبقى حيًا رغم الغياب.  


 هناك قلوبٌ تمنحك شعور العودة، حتى وإن لم تطأ قدماك عتبتها قط. يكفي أن تتذكّرها، فتجد في صدرك متسعًا يشبه بيتًا أُضيئت نوافذه منذ زمن، ولم تنطفئ. 


  كأنها تعرف كيف تحفظ ملامحك من تعب الأيام، وتعيد إليك نفسك كلما أوشكت أن تتوه بين ضجيج العالم.  


ولأن الأرواح لا تسكن الأمكنة بل المعاني، فإنها تعبر المسافات كما يعبر النسيم حقلًا مفتوحًا؛ لا يراه أحد، لكنه يترك في السنابل ميلًا رقيقًا يشهد على مروره.  


 لهذا لا يكون البعد دائمًا نقيض القرب، بل قد يصبح امتحانًا لما لا تستطيع العيون أن تراه.  


 فالأجساد تلتقي ثم تفترق، أما ما تعارف في العمق فلا يعرف للغياب تعريفًا نهائيًا، لأنه يظل ينسج حضوره بصمت، في الدعاء، وفي الذكرى، وفي ذلك الاطمئنان الذي يزور القلب بلا موعد.  


وحين يتأمل المرء رحلته، يكتشف أن أغلى الأوطان لم تكن تلك التي أقام فيها طويلًا، بل تلك التي أقامت فيه.  


 وأن بعض القلوب، مهما ابتعدت، تظل تفتح في الروح نافذة لا تطل على شخصٍ بعينه، بل على المعنى الذي يجعل الحياة أقل وحشة، وأكثر اتساعًا.  


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :