معلقة؛ استعمار العقول
فأول فتح المجد فتح البصائر
بقلمي الشاعر محمد علي باني
مقدمة وجدانية
ليست كل القيود ترى بالعين، فبعضها يصنع من حديد وبعضها ينسج في الفكر حتى يعتاد الإنسان حدوده ويحسبها حرية.
إن الأمم لا تفقد مجدها حين تخسر القوة فقط، بل حين تفقد القدرة على التفكير ، وعلى صناعة المعرفة، وعلى حماية عقول ابنائها ، فالعقل هو ميدان التحرير الأول ، والعلم هو الطريق الذي تعبر به الشعوب من الضعف إلى النهضة.
هذه المعلقة رحلة في أعماق الإنسان والحضاة، تبدأ بسؤال عن أسباب السقوط، وتمر عبر كشف القيود الخفية، ثم تفتح عن مفتاح العودة ؛ العلم ، الوعي، والضمير ، حتى تصل إلى الحقيقة الكبرى.
إن أول فتح للمجد هو فتح البصائر
نص المعلقة
قفا نبك من دهر خبا بعض نوره
وأضحى أسير الجهل بعد التبصر
وقفا نقلب في الدفاتر رحلة
تحدث عن مجد عظيم المٱثر
سألت الليالي ؛ كيف ضاع بناؤنا؟
فقالت بضياع العقل بين المظاهر
فما كل قيد في الحديد يرى لنا
ولكن قيد الفكر شر المخاطر
أرى أمما كانت منارا لأهلها
فأضحت تجاري ركب قوم متأخر
إذا غاب عنها الفكر ضل مسيرها
وغدت نهب أطماع وسوء مصائر
ويلبس للأحرار قيد موشى
فيحسبه الغر الوسام الفاخر
ويلقى إليها الزيف ثوب حضارة
وفي طيه داء الخضوع المستتر
فإن ضاق صدر الأرض عن فكر حرها
مضى العقل نحو القوم أهل المٱثر
فيجني سواهم غرسها وثمارها
ونبقى نمني النفس بعض المفاخر
ورأيت سفن المجد ترسو على شط
تناجي صدى الأيام بين المرافئ
لها شرع لو أبحرت لبلغت العلا
ولكنها ٱثرت درب المحاذر
ويعلو نداء البحر؛ هبوا فإنما
تنال العلا بالسعي لا بالتأخر
ورأيت سوقا تبتاع فيه مواقف
ويشترى صوت الحق بعض دنارير
وكم قلم كانت رسالته هدى
فأضحى أسير الزيف بعد المنائر
وليس الغنى عيبا إذا صان أهله
ولكن عيب المرء بيع الضمائر
إذا صار علم القوم سلعة تاجر
فأول خسران ضياع المصائر
فمضيت استقصي الحقيقة باحثا
وأفتح أبواب الزمان المغاور
فوجدت نور العلم يرفع أهله
إذا زانه صدق النفوس السرائر
ورأيت طفل العلم في صدر مدرسة
يخط من الٱمال أسمى المٱثر
إذا إجتع الإيمان والعلم والتقى
أضاءت دروب الناس نور البصائر
يا أمة الأمجاد عودي لنورها
فطريق علاك يبدأ بالبصائر
فالعقل حصن القوم إن هم صانه
والعلم مفتاح العلا والمصائر
وابنوا من الإنسان صرح كرامة
فبه تشاد حضارة الأكابر
وعدت من الأسفار أحمل حكمة
تضيء لي الأيام بين الدفاتر
رأيت بأن المجد ليس مظاهرا
ولكنه فكر ونور بصائر
فلا تسلموا الأفكار دون تأمل
فإن ضياع العقل أول خاسر
البيت الجامع
إذا أسرت الأفكار ضاعت ديارنا
فأول فتح المجد فتح البصائر
التوقيع؛
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
محمد علي باني/ تونس