فراغ ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
استيقظت على صوت الرسالة.
"صباح الخير."
ابتسمت.
ثم انتبهت إلى الرجل النائم بجوارها.
أغلقت الهاتف سريعا.
مدت يدها تتحسس كتفه.
كان نائما كعادته، يسبق شخيره استيقاظ المدينة.
نهضت بهدوء.
أعدت الإفطار.
وقبل أن يخرج، وضعت كوب الشاي أمامه.
ابتسم لها ابتسامة سريعة.
- متستنيش.. اتغدي من غيري لو اتأخرت.
أومأت.
وأغلق الباب خلفه.
لم يكن هكذا في السنوات الأولى.
كان يعود محملا بالحكايات.
يضحك.
يحكي.
يسألها عن يومها.
ثم جاءت الأقساط.
فصار يعود محملا بالأكياس بدل الكلام.
أصبح يعمل صباحا ومساء.
وكان كلما زاد تعبه، ازداد اقتناعا بأنه يحبها.
وكانت كلما طال صمته، ازداد إحساسها بأنها وحدها.
يمر النهار بطيئا.
ترتب البيت.
تغسل الأطباق النظيفة.
تفتح الشرفة.
تغلقها.
تسقي نباتا لا يكاد ينمو.
ثم تعود إلى الهاتف.
بدأ كل شيء بتحية.
ثم سؤال.
ثم تعارف عابر.
ثم رجل لا تعرف عنه إلا اسمه الأول.
لم يكن وسيما.
ولم يكن شاعرا.
لكنه كان حاضرا.
كلما غاب الحبيب.
كتب لها مرة:
"اتغديتي؟"
ضحكت من نفسها.
كيف يمكن لسؤال صغير أن يدفئ هذا القدر من الصمت؟
أغلقت المحادثة.
ثم عادت إليها بعد دقائق.
في المساء، عاد زوجها متعبا.
وضعت الطعام.
راحت تتكلم كعادتها.
عن الجارة.
وعن زيادة الأسعار.
وعن ابن أختها الذي نجح.
كان ينظر إليها محاولا المقاومة.
ثم قال وهو يبتسم:
ـ كملي بكرة.. عيني بتقفل.
ولم تمض دقائق حتى غلبه النوم.
جمعت الأطباق.
جلست بجواره.
أبعدت خصلة شعر عن جبينه.
وضعت يدها داخل يده.
أطبقت أصابعه عليها لحظة..
ثم ارتخت.
سحبت يدها ببطء.
ونظرت إليه طويلا.
همست:
ـ وحشتني.
لكن الشخير كان أسرع من صوتها.
في الأيام التالية، أصبحت تنتظر الرسائل.
لم تعد تبتسم فقط.
أصبحت ترد.
ثم تنتظر الرد.
ثم تعود لتقرأ الحوار كله من البداية.
كل ليلة كانت تعد نفسها بأن تتوقف.
وفي كل صباح تبدأ من جديد.
حتى جاء اليوم الذي كتب فيه:
"نفسي أشوفك.. عشر دقايق بس.. في مكان عام."
أغلقت الهاتف.
دخلت المطبخ.
شربت كوب ماء.
عادت.
قرأت الرسالة مرة أخرى.
كتبت:
"لا."
ومسحتها.
كتبت:
"حرام."
ومسحتها.
أغمضت عينيها.
ثم كتبت:
"موافقه."
وظلت تنظر إلى الكلمة طويلًا..
كأنها لا تعرف المرأة التي كتبتها.
في تلك الليلة، لم يغمض لها جفن.
كلما أغلقت عينيها، رأت الكلمة وحدها تضيء في الظلام:
"موافقة."
أطفأت الهاتف.
ثم عادت فأشعلته.
فتحت المحادثة.
أغلقتها.
وضعت الهاتف تحت الوسادة.
ثم أخرجته من جديد.
أما هو..
فكان ينام بعمق، كأن التعب رحيم بمن يعمل، وأكثر قسوة على من ينتظر.
في الصباح، خرج كعادته.
وقبل أن يغلق الباب، التفت إليها.
ـ لو اتأخرت.. كلي من غيري.
ابتسمت.
وأغلقت الباب.
لكن الجملة ظلت عالقة في أذنها.
وقفت أمام المرآة.
ارتدت ثوبا بسيطا.
خلعته.
واختارت آخر أكثر بساطة.
ثم عادت إلى الأول.
كانت تؤجل الخروج، لا لأنها لا تريد الذهاب..
بل لأنها كانت تتمنى أن يمنعها شيء.
رن الهاتف.
"أنا مستني."
أغلقت الشاشة.
أخذت نفسا طويلا.
وخرجت.
كان المقهي هادئا.
رأته يجلس في الركن البعيد.
نهض عندما اقتربت.
صافحها في ارتباك.
جلسا.
ساد صمت قصير.
ثم قال:
ـ كنت متوقع إنك مش هتيجي.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ وأنا كمان.
ضحك.
ثم سكت.
كان ينصت أكثر مما يتكلم.
وللمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن أحدا يسمعها حتى النهاية.
تحدثت عن الوحدة.
عن الأيام المتشابهة.
عن زوج تحبه..
لكنها لم تعد تراه إلا نائما.
قال بهدوء:
ـ يمكن هو تعبان.. بس إنتِ كمان تعبانة.
خفضت رأسها.
وشعرت بوخزة في صدرها.
وبينما كانت ترفع فنجان القهوة..
تجمدت يدها.
خلف الزجاج..
كان زوجها.
واقفا.
لا يصرخ.
لا يلوح بيده.
ينظر إليها فقط.
نظرة رجل لم يفهم كيف ضاع الطريق بين باب البيت وهذا المقهى.
ارتعشت.
سقط الفنجان.
تناثر القهوة على الطاولة.
نهضت مذعورة.
خرجت تجري.
ـ اسمعني..
توقف.
التفت إليها ببطء.
كانت عيناه ممتلئتين بتعب أكبر من كل السنوات التي عرفتها معه.
رفعت يدها نحوه.
لكنه تراجع خطوة.
ثم استدار..
ومشى.
ظلت تركض خلفه..
حتى اختفى.
كانت تركض..
تناديه.
ولا يلتفت.
كلما اقتربت منه، ابتعد أكثر، حتى بدا كأنه يذوب في آخر الشارع.
صرخت باسمه.
فاستدارت الوجوه إليها..
إلا هو.
انتفضت من نومها.
شهقة حادة خرجت من صدرها.
تحسست وجهها.
كان مبللا بالدموع.
التفتت حولها.
الغرفة كما هي.
والنافذة كما هي.
وبجوارها..
كان زوجها نائما.
شخيره الخافت يملأ المكان.
أغمضت عينيها.
تنفست ببطء.
إذن..
لم يذهب إلى المقهى.
ولم يرها.
ولم يرحل.
لكنها، وهي تمد يدها إلى الهاتف، أدركت الحقيقة التي أفزعتها أكثر من الحلم.
المقهى كان حلما..
أما الرسالة..
فلم تكن.
وإخفاء الهاتف..
لم يكن.
والكذبة الأولى..
لم تكن.
فتحت المحادثة.
توقفت عند الكلمة الوحيدة التي غيرت كل شيء:
"موافقة."
ظلت تنظر إليها طويلا.
ثم حذفتها.
وحذفت المحادثة كلها.
وأغلقت الهاتف.
في تلك اللحظة، تحرك زوجها في فراشه.
فتح عينيه بصعوبة.
نظر إليها، ثم ابتسم ابتسامته المتعبة.
وقال:
ـ هتفطرينا إيه؟
وقبل أن تجيب، أضاف:
ـ على فكرة.. أخدت النهارده إجازة.
استغربت.
ـ إجازة؟
ابتسم.
ـ بقالي كتير بوعدك بيوم لينا لوحدنا.. وكل مرة الشغل يغلبني.
النهارده.. مفيش شغل.
هنفطر سوا.
ونتمشى.
ولو ملحقناش السينما..
يبقى نقعد على أي قهوة ونتكلم.
ظلت تنظر إليه.
كأنها تراه لأول مرة.
ثم سألته، بصوت خرج أهدأ مما أرادت:
ـ صحيح..إنت بتاكل مع زميلات في الشغل؟
ضحك من قلبه.
ـ زميلات إيه؟
إنتِ عارفة شغلي..
مفيهوش ستات أصلا.
ساد صمت قصير.
ثم اقتربت منه.
وضعت رأسها على كتفه.
لم تسأله لماذا تأخر كل تلك السنوات..
ولم يسألها لماذا تبكي.
مد يده، وربت على شعرها في هدوء.
وخارج الغرفة..ظل الهاتف صامتا.
ولأول مرة..
لم تنتظر أن يرن.
طارق الحلوانى
يونيو ٢٠٢٦