في زمنِ الاحتقار
بقلم: محمد عربي
في زمنِ الاحتقار...
لا تُكسَرُ القلوبُ بالسيوف،
بل تُجرَحُ بالكلمات.
ولا يُغتالُ الإنسانُ برصاصة،
بل بنظرةٍ
تقول له:
"أنت لا تستحق."
في زمنِ الاحتقار...
أصبحَ الاحترامُ
عملةً نادرة،
وأصبحتِ الكرامةُ
تُباعُ في أسواقِ المصالح.
وأصبحَ الإنسانُ
يُقاسُ بما يملك،
لا بما يحملُ من قيم.
في زمنِ الاحتقار...
ترى الجاهلَ
يُصفِّقُ للجاهل،
والعاقلَ
يمشي وحيدًا
يحملُ على كتفيه
ثقلَ الصمت.
ترى الصادقَ
يُحارَبُ لأنه صدق،
والمنافقَ
يُكافأ
لأنه أتقنَ تبديلَ الأقنعة.
في زمنِ الاحتقار...
صار الوفاءُ
تهمـة،
والإخلاصُ
سذاجة،
والحياءُ
ضعفًا،
والتواضعُ
هزيمةً
في أعينِ الذين
لا يعرفون
إلا ضجيجَ الغرور.
أصبحتِ الكلماتُ
تخرجُ مزينةً،
لكنها فارغةٌ
كالأصدافِ اليابسة.
وأصبحَ كثيرون
يتحدثون عن الإنسانية،
ثم يتركون
الإنسانَ
ينزفُ وحده.
في زمنِ الاحتقار...
لا يسألك أحد:
كيف قلبُك؟
بل يسألك:
ماذا تملك؟
كم راتبُك؟
وأين تسكن؟
ومَن تعرف؟
أما أحلامُك...
فليست ضمنَ الأسئلة.
في زمنِ الاحتقار...
يبتسمون في وجهك،
ويشحذون في غيابك
سكاكينَ الغيبة.
يصافحونك بحرارة،
ثم يغسلون أيديهم
من صداقتك
حين تحتاج إليهم.
كم من وجهٍ
يحملُ ألفَ ابتسامة،
وفي داخله
صحراءُ قسوة.
وكم من قلبٍ
أخفاهُ صاحبه
خلفَ ثوبٍ بسيط،
وكان أنقى
من كلِّ المظاهر.
في زمنِ الاحتقار...
صار الأبُ
غريبًا
في بيتٍ بناهُ بعرقه.
وصارتِ الأمُّ
تحصي دموعها
في صمتٍ،
لأن أبناءها
نسوا أن الجنة
كانت تحت قدميها.
وصار الشيخُ
يبحثُ عن مقعدٍ
في حافلةٍ
امتلأت بالشباب،
لكنها فرغت
من الأخلاق.
في زمنِ الاحتقار...
صار الكتابُ
ضيفًا ثقيلًا،
والتفاهةُ
نجمةَ المجالس.
وأصبح الفكرُ
واقفًا
في آخرِ الصف،
بينما يتصدرُ الضجيجُ
كلَّ المنابر.
في زمنِ الاحتقار...
ترتفعُ الأصوات،
وينخفضُ المعنى.
تكثرُ الوجوه،
ويقلُّ الصدق.
تمتلئُ الشاشات،
وتفرغُ الأرواح.
كلُّ شيءٍ
يبدو لامعًا،
إلا الضمير.
يا لهذا الزمن...
كم احتقرَ الإنسانُ أخاه،
ثم تحدّث
عن المحبة!
وكم رفعَ شعاراتِ العدالة،
ثم ظلمَ
أقربَ الناس إليه.
وكم كتبَ
عن الرحمة،
وكان أولَ من أغلقَ بابها.
لكن...
مهما طالَ هذا الزمن،
فلن ينتصرَ الاحتقار.
لأن شجرةَ الكرامة
قد تُرهقها الرياح،
لكنها لا تنحني
إلا لله.
ولأن النفوسَ الكبيرة
لا تصغرُ
حين يحتقرها الصغار.
ولأن الشمسَ
لا تُطفئها
كلماتُ العابرين.
سأبقى...
أمنحُ الاحترام
حتى لمن أساء.
وأزرعُ الخير
ولو كان الحصادُ قليلًا.
وأحملُ كرامتي
كما يحملُ الجبلُ قمته،
لا تزيده العواصف
إلا ثباتًا.
فأنا لا أخشى
زمنَ الاحتقار،
بل أخشى
أن أصبحَ
نسخةً منه.
لهذا...
سأحرسُ قلبي
من الكراهية.
ولساني
من الإهانة.
وروحي
من التكبر.
فليس أعظمُ انتصارٍ
أن تُهزمَ الآخرين،
بل أن تنجو
من قسوةِ هذا الزمن،
وتبقى إنسانًا...
حين أصبحَ الإنسانُ
عملةً نادرة.
بقلم: محمد عربي