غُربه...
"نحن لا نغترب لنعيش، بل نمارس طقس الانتظار... نكذب على أنفسنا في بلاد الآخرين، ونغترب في أوطاننا، ويبقى الأمان معلقاً في مسافة لا نصلها أبداً."
الغربة ليست مجرد حقيبة سفر ومسافة تُقاس بالكيلومترات، بل هي انشطار حاد في ذات الإنسان، وتناقض وجودي صامت لا يُحكى، بل يُعاش في عتمة الروح.
خلف بريق الاستقرار والنجاح، يعيش المغترب في حالة تيه نفسي خانق. فلا هو بقي ذاك الذي غادر وطنه وناسه، ولا هو أصبح ابن الأرض الجديدة بالكامل. إنه يبني في الغربة بيتاً، لكنه يعجز عن بناء "انتماء". يعيش في فصام غير معلن؛ يُقنع نفسه هناك بأنه "بخير" وأن كل شيء على ما يرام، ليصدق الكذبة تلو الكذبة. وعندما تدفعه الأشواق ليعود إلى وطنه، يصفعه التغيير، فيكتشف أن الأمكنة التي تركها لم تعد تنتظره، وأن الملامح تبدلت، فيقف في منتصف بيته وأهله غريباً، ليعود ويكذب مجدداً ويقول "اشتقت للغربة".
هل يرتاح المرء نفسياً في الغربة؟
قد تُؤمّن الغربة رفاهية العيش والنظام، لكن النفس لا تُخدع بالأسمنت النظيف والشوارع الهادئة إذا كان باطنها يضج بالخلع والتمزق. هناك جزء أساسي من الهوية يبقى ناقصاً، مبتوراً، ومؤجلاً دائماً. فلا في بلده استطاع أن يكمل العيش، ولا في غربته استكان.
أين هو الملاذ الآمن إذن؟
الملاذ ليس جغرافيا، وليس جدراناً لها عنوان. الملاذ الحقيقي هو تلك المساحة الداخلية من السكينة التي يحاول المغترب صياغتها حين يتصالح مع فكرة أنه أصبح "كائناً معلقاً بين ضفتين". إنه صوت الأهل قبل أن يغيره الهاتف، ورائحة الذكريات التي لا تموت، لكنها أيضاً لا تُعاش.
الغربة والوطن طرفا مقص، كلما تحركا... مزّقا الروح التي بقيت حائرة في مسافة اللا-وصول. Wanas dolat