قصيدة إلى الجزائر وأهلها
يا جزائرُ الخُضراءُ يا وطنَ المدى
يا موطنَ الأحرارِ والعِزِّ الأبيّْ
ماذا جرى للغابِ؟ ماذا أصابَهُ؟
حتى غدا وجهُ الطبيعةِ في لظىً ولهيبْ؟
عنّابةُ اليومَ استغاثَتْ صامتةً
والنارُ حولَ جبالِها تتصاعدُ
والدخانُ غطّى في السماءِ حكايةً
والخوفُ بينَ بيوتِها يتزايدُ
يا عنّابةُ يا نبضَ قلبي كلِّهِ
يا مدينةً في الروحِ لا تتغيّرُ
كيفَ أكتبُ الحزنَ الذي فيكِ، واللظى
فوقَ الغصونِ، وفي المدى يتسعّرُ؟
كيفَ أصفُ النارَ التي قد أحرقتْ
أرضًا تربّينا على أحضانِها؟
كيفَ أصفُ الخوفَ الذي قد أوجعَتْ
نيرانُهُ قلبَ الصغيرِ وأمِّها؟
ماذا أقولُ لمن تركَ دارهُ
يمضي ولا يدري إلى أينَ المصيرْ؟
ماذا أقولُ لأمِّ طفلٍ خائفٍ
ضمّت صغيرَها، والسماءُ بها سعيرْ؟
يا ربُّ سلّمْ كلَّ بيتٍ خائفٍ
واحفظْ لنا أهلَ الجزائرِ من ضررْ
واحفظْ عنّابةَ والجبالَ وأهلَها
واحفظْ سرايدي من لهيبٍ مستعرْ
واحفظْ قرىً نامتْ على خوفِ الأسى
وتوسّدتْ بينَ الدخانِ جراحَها
واحفظْ صغارًا لم تزلْ أحلامُهم
تجري مع الأنهارِ فوقَ رُباها
واحفظْ شيوخًا قد رأوا في عمرِهم
أيامَ خيرٍ، ثم جاءَ بها الخطرْ
واحفظْ مريضًا في سريرِ مشفًى
يخشى عليهِ من الدخانِ ومن شررْ
يا ربُّ إنَّ النارَ قد جاوزتْ حدودَ
الغابِ، حتى صارَ خوفُ الناسِ نارْ
وأُغلقتْ طرقٌ، وضاقتْ سُبلُنا
وبدا السؤالُ على الشفاهِ بلا قرارْ
هل سوف نصلُ إلى الأحبّةِ سالمينْ؟
هل سوف يبقى البيتُ مأمنَنا الأخيرْ؟
هل سوف تخمدُ هذه النيرانُ قبلَ
أن يستحيلَ الحلمُ رمادًا في المصيرْ؟
يا ربُّ إنَّ وراءَ كلِّ دخانِنا
قلبًا يُصلّي، والأسى فيهِ كبيرْ
وراءَ كلِّ حريقٍ أمٌّ خائفةٌ
وأبٌ يخفي خوفَهُ خلفَ الصبرْ
وراءَ كلِّ طريقٍ أُغلقَتْ أبوابُهُ
شخصٌ يريدُ الوصولَ نحوَ أحبّةْ
وراءَ كلِّ شجرةٍ صارت رمادًا
عمرٌ من الذكرى، وحكايا لا تموتْ
الغابُ ليسَ مجردَ الأشجارِ يا
من ظنَّ أنَّ الشجرَ شيءٌ عابرْ
الغابُ طفولةُ عابرٍ في ظلِّهِ
وحكايةُ الطيرِ الصغيرِ على الشجرْ
الغابُ ذاكرةُ البلادِ وروحُها
وصفاءُ نهرٍ، والنسيمُ إذا سرى
فإذا احترقتْ غاباتُنا في لحظةٍ
فكأنَّ جزءًا من ذاكرتِنا احترقْ
لكنَّ في قلبِ الجزائرِ قوّةً
لا تنحني مهما تكاثرَها الخطرْ
في كلِّ رجلِ إنقاذٍ قصةُ من
يمضي إلى النيرانِ كي يحيا البشرْ
يا من دخلتم في اللهيبِ بلا تردّدْ
وبلا حسابٍ للخطرْ
يا رجالَ الحمايةِ المدنيةِ، لكم
في القلبِ شكرٌ لا يحيطُ بهِ كلامْ
ولكلِّ من حملَ الشجاعةَ في يديهْ
وسعى لإنقاذِ العبادِ من الخطرْ
للجيشِ، للمتطوعينَ، لكلِّ من
وقفوا صفوفًا في مواجهةِ الشررْ
أنتمْ أمانُ الخائفينَ، وأنتمُ
في ساعةِ المحنةِ ضياءٌ لا يغيبْ
أنتمْ إذا اشتدّتْ علينا محنةٌ
كنتمْ لنا بعدَ الإلهِ نعمَ النصيرْ
يا ربُّ أطفئْ نارَنا برحمتِكْ
وأعدْ إلى وجهِ الجزائرِ نضرتَهْ
واجعلْ سماءَ عنّابةٍ صافيةً
واجعلْ جبالَ سرايدي في أمانْ
أعدْ إلى الغاباتِ لونَ خضارِها
واجعلْ مكانَ الرمادِ عشبًا وزهرْ
وأعدْ إلى الطرقاتِ أمنَ عبورِها
وإلى البيوتِ سكينةً بعدَ الخطرْ
اللهمَّ اجعلْها آخرَ الأحزانِ في
وطنٍ أحببناهُ من قلبِ الفؤادْ
واجعلْ غدًا يومًا تشرقُ شمسُهُ
فتعودُ أرضُ الجزائرِ مثلَما كانتْ تُرادْ
نريدُ أن نفتحَ العيونَ غدًا
فنرى الجزائرَ في ثيابِ الخُضرةْ
ونرى عنّابةَ قد عادتْ باسمةً
ويعودُ أهلُها إلى دفءِ الديارْ
نريدُ طفلًا أن يرى في أفقِهِ
لونَ السماءِ، ولا يرى لونَ الدخانْ
أن يكبرَ الطفلُ الجزائريُّ في وطنٍ
آمنٍ، ويزرعَ في ترابهِ ألفَ غصنْ
يا ربُّ سلّمْ… إننا لا نملكُ
إلا الدعاءَ، وأنتَ ربُّ المستجيرْ
فإذا عجزنا عن إخمادِ لهيبِنا
فأنتَ ربُّ النارِ، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرْ
اللهمَّ سلّمْ… ثم سلّمْ… ثم سلّمْ
الجزائرَ من لهيبٍ أو ضررْ
واحفظْ عنّابةَ وأهلَها من كلِّ سوءٍ
واجعلْ لها بعدَ العناءِ غدًا منيرْ
يا ربُّ أطفئْ نارَها برحمتِكْ
وأعدْ إلى أرضِ الجزائرِ أمنَها
واجعلْ لنا بعدَ الدخانِ بشارةً
تُحيي القلوبَ، وتستعيدُ جمالَها
الجزائرُ لا تنحني…
وعنّابةُ رغمَ النارِ سوفَ تعودُ خضراءَ كما كانتْ…
والدعاءُ إلى اللهِ لا ينقطعْ:
اللهمَّ سلّم…
اللهمَّ سلّم…
اللهمَّ سلّم الجزائرَ وأهلَها. عزه كامل