الأحد، 19 يوليو 2026

Hiamemaloha

مقام الأمان للدكتورة راوية عبدالله

 "مقامُ الأمان"  


هناك لحظاتٌ لا تُقاس بعقارب الوقت، لأن بعض الأزمنة لا تمرّ على الساعات، بل تستقرّ في أعماق الإنسان.


 لحظةٌ واحدة قد تحمل من الطمأنينة ما تعجز عنه أعوامٌ من الحديث، وقد يختصر دفءٌ صادق مسافاتٍ طويلة قطعتها الروح وهي تبحث عن مكانٍ تشعر فيه أنها ليست مضطرة إلى التظاهر بالقوة.  


في زحام الأيام، يعتاد الإنسان أن يحمل أثقاله بصمت؛ يخبئ ارتجافاته خلف ابتسامةٍ عابرة، ويجمع شتات نفسه كل مساء كمن يعيد ترتيب بيتٍ هبّت عليه رياحٌ لا يراها أحد. 


ثم يأتي حضورٌ لا يسأل كثيرًا، ولا يفتّش في تفاصيل التعب، بل يقترب كما يقترب الضوء من نافذةٍ أُغلقت طويلًا. 


هناك، في تلك اللحظة الصغيرة التي يلتقي فيها قلبان دون حواجز، يصبح الاحتواء لغةً أعمق من الكلام.


  ليس الاحتواء أن تجد من يحمل عنك العالم، بل أن تجد من يجعلك تشعر بأنك لست وحدك في مواجهته.


 كأن يدًا تمتد إلى أعماقك لا لتغيّر ما فيك، بل لتقول لك بصمت: "يمكنك أن تكون كما أنت". 


وفي ذلك القرب الذي لا يحتاج إلى تفسير، تنسحب ضوضاء كثيرة كانت تسكن الداخل؛ تخفت الأسئلة، وتهدأ المعارك التي لم يكن يسمعها سواك.  


كم من لقاءاتٍ عبرت حياتنا وتركت أسماءها على الذاكرة، لكن لحظة احتواء واحدة قد تترك أثرًا لا يشبه أثر اللقاءات؛ لأنها لا تُضيف شخصًا إلى أيامنا فقط، بل تعيد إلينا جزءًا من أنفسنا كان مختبئًا خلف التعب. 


فبعض البشر لا يدخلون العمر بعدد الساعات التي نقضيها معهم، بل بعمق الأمان الذي يزرعونه في لحظة واحدة. 


 وربما لهذا تبدو بعض اللحظات قصيرة في ظاهرها، لكنها تمتد في الداخل كأنها عمرٌ كامل؛ لأن القلب لا يحفظ طول اللقاء، بل يحفظ مقدار السلام الذي وجده فيه.


 وقد تبقى تلك اللحظة، رغم صمتها وبساطتها، واقفةً في الذاكرة كنافذةٍ صغيرة يدخل منها ضوءٌ يكفي لسنواتٍ طويلة.  


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :