الثلاثاء، 7 يوليو 2026

Hiamemaloha

زمن المرإة المكسورة للاديب الأستاذ حسناوي سيلمي

 زمن المرآة المكسورة                                              بقلم أ. حسناوي سيلمي                                       


كانت القرية تغفو على حافة الوادي، لكنها لم تكن تنام؛ بل كانت تهذي. في ذلك الفضاء المترع بالغبار، لم تعد الأشياء تشبه أسماءها، وغدت الأيام تدور في حلقة مفرغة من العبث.في صدارة السوق، شيد "قديدر" قصراً شاهقاً شرفاته مطلة على الخيبات. كان قديدر رجلاً بسيط العقل، لا يفقه من فك الحرف سوى شكل النقود، يحيط نفسه بألقاب من سراب صاغها له منافقون ارتضوا الرخص تجارة. اشترى قديدر كل شيء؛ الأراضي، والضمائر، والخيول التي ربطها في السواقي، بينما ترك الحمير لتعتلي منصات السباق. كان قديدر يمشي مختالاً، يرى نفسه طاووساً حكيماً، فقط لأن من حوله صم لا يسمعون نكير جهله، وعمي لا يبصرون حقيقة تهافته.على الرصيف المقابل للقصر، كان "الشاهد" يجلس صامتاً. والشاهد كان يُعرف بين من تبقى من عقلاء بـ "ولد الحر". رجل يحمل في عينيه عمق البحر، وفي قلبه إرثاً من النبل كابراً عن كابر. كان يتأمل المشهد محاولاً استيعاب هذا الهبل اليومي، لكن عقله كان يرفض الانصياع. يرى الرجل الذي مات ضميره يقطع الدرب بخطى واثقة، تبتسم له الدنيا وتفتح له الأبواب، لأن الاستقامة في عُرف السوق باتت عيباً، والالتواء صار معيار الذكاء.وقف الشاهد فما عاد يرى الناس إلا شخوصاً كرتونية في مسرحية رديئة. أغمض عينيه، وتنفس الصمت بعمق، ليبدأ نحيب أفكاره الداخلية في التصاعد:«أي جنون هذا الذي يجتاح الهواء؟ كيف لعقلي أن يحتمل هذا السيل الجارف من العبث دون أن ينفجر؟ تمشي المسالك أمامهم بالمعكوس فتفتح لهم الخزائن، ونمشي نحن بالاستقامة فتضيق بنا الأرض بما رحبت! لقد صار الحلال في هذا الزمن قيداً، وموت الضمير حرية!انظر إليهم.. هؤلاء الذين لم يعرفوا يوماً للعمق سبيلاً، كيف استبدلوا عقولهم بالفراغ، وملؤوا جيوبهم بالسحت ليصبحوا "طواويس" المشهد؟ ينامون ملء جفونهم لأن ضمائرهم ماتت، بينما أسهر أنا ينهشني كبريائي الأصيل كجواد حبيس في ركض بلا غاية!أيا نفسي.. هل أخطأت حين رفضت أن أكون حماراً يستمتع بالوعثاء والوحول؟ هل كان علي أن أبيع إرث أبي ونقاء دمي لأنجو؟ لا.. وألف لا! ليقولوا ما يقولون، وليفصل هؤلاء الأنذال معقولهم على مقاس دناءتهم. سأعتصم بصمتي هنا، فعزة الجوع أشرف بألف مرة من شبع يمر عبر هذا الرخص. أنا نبتة هذه الأرض العميقة، ولن أموت حين تجف السماء، فالغبار إلى زوال، والأصل يبقى أصلاً».التفت الشاهد إلى صديق قديم مر به، رجل كان يوماً يصدح بالحق والآن يمشي مطأطأ الرأس، فقال له الشاهد بصوت مخنوق: "يا صاحبي، إنها تمشي بالمعكوس.. من قارب رخصهم صفت له حياته، ومن تمسك بالحلال ضاقت عليه الأرض بما رحبت. المعقول والعدل لم يعد لهما وزن إلا في موازين هؤلاء الأنذال، حيث يفصلون الحق على مقاس باطلهم".نظر إليه الصديق بعينين مطفأتين وقال: "يا الشاهد، في هذه الأرض، من يرضى ببلادة الحمار يستمتع بثقل الحمل والذل، أما من يعيش بقلب جواد أصيل مثلك، فسيظل ينزف نبله في حلبة لا تفهم معنى الصهيل. الأرض جفت، والسماء بخلت، ولم يعد للأصيل إلا أن يعتصم بصمته."لم يجب الشاهد. قام ونفض غبار السوق عن ثوبه، وتوجه نحو أطراف القرية حيث الأشجار العميقة الجذور. أدرك أن الصمت في حضرة هذا العبث ليس عجزاً، بل هو ترفع الماء عن ملامسة الوحل، وأن فصول الدجل مهما طالت، فإن الجذور الحرة لا تموت، بل تنتظر رحيل الفصول العاقرة.

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :