رماديّون ...
قالوا ..
إنّ في آخر العتمة كائنات
تراقب الأرض ..
من ثقوب الضوء
تكتب على ألواح الفراغ
سيرة الكوكب الأزرق
بحبر مجرّي ..
وقالوا إنهم يعبرون المجرّات
كما نعبر نحن أرصفة المدن
ويقرؤون الزمن من الخلف
كما تقرأ الندوب
على جذع شجرة أبديّ ..
فابتسمت ..
ليس لأنّي صدّقت الحكاية
ولا لأنّي كذبّتها ..
بل لأنّ الإنسان ما زال يبحث
عن جار في السماء ..
قبل أن يتعرّف إلى الغريب
الساكن في صدره الخفيّ ..
أخبروني ..
إنّهم رماديّون لا يضحكون
ولا يبكون ..
ولا يحملون أديانا ولا أعلاما
ولا حدودا ولا خرائط ولا تأشيرات ..
فسألت ..
إذا كانوا بلا حروب
فلماذا يأتون إلينا ؟
هل ليتعلّموا كيف تزرع المقابر
قبل الحدائق ؟
أم كيف يصنع السيف
من معادن الصلاة ؟
أم كيف تتحوّل الحقيقة
إلى نشرة أخبار ؟
والكذبة إلى وثيقة رسميّة ؟
وقالوا إنّ مركباتهم
تظهر ثمّ تختفي ..
فقلت ..
وهل رأيتم أحدا أكثر اختفاء
من ضمير الإنسان ؟
وقالوا لعلّهم يراقبون تطوّرنا ..
فضحكت .. أيّ تطوّر ؟
ونحن كلّما اخترعنا آلة
أنقذت دقيقة من عمرنا
أضعنا قرنا من إنسانيّتنا ..
كلّ شيء صار أسرع إلّا الرحمة ..
وكلّ شيء صار أذكى إلا القلب ..
وكلّ شيء صار أعلى إلا الإنسان ..
ثمّ رفعت رأسي نحو السماء
ولم أسأل هل هناك كائنات تشبهنا
ربّما الرماديّون لم يأتوا من الفضاء
ربّما ولدوا حين فقد ..
الإنسان ألوان وجهه ...
بقلم : معز ماني . تونس .