تجارةُ الملح
بقلم: محمد عربي
لا أحدَ يبيعُ الملح...
الملحُ لا يُباع،
الملحُ يُولدُ
في دمعةِ أمٍّ،
وفي جبينِ عاملٍ
عاد إلى بيته
ولم يعد إليه راتبُه.
لكنهم...
اخترعوا سوقًا
للملح.
وقفوا خلف الطاولات
ببدلاتٍ أنيقة،
وأصابعَ ناعمة،
ولم يعرفوا يومًا
أن الملح
هو العرقُ
حين يكتبُ سيرتَه
على الجباه.
قالوا:
هذه صفقة.
قلت:
بل جريمة.
لأنكم
لا تتاجرون بالملح،
أنتم تتاجرون
بجوعِ الذين
لا يملكون
غير كسرةِ خبز.
أنتم...
تضعون الأسعار
على الأشياء،
ثم تحاولون
أن تضعوا سعرًا
للضمير.
لكن الضمير
لا يدخلُ المزاد.
والكرامة
لا تُوزنُ بالكيلوغرام.
والوطن
ليس متجرًا
يفتح أبوابه
كلما مرّ السماسرة.
رأيتُ رجلًا
يحمل كيسَ ملح،
وكان أثقلَ
من جبل.
سألته:
أكلُّ هذا الملح
لبيتك؟
قال:
لا...
هذا ما تبقّى
من أحلامي
بعد أن مرّت عليها
أيدي التجار.
ومنذ ذلك اليوم
كلما تذوقتُ الملح
سمعتُ البحرَ يبكي.
ليس لأن ماءه
ازداد ملوحة،
بل لأن الإنسان
صار يبيع
حتى الأشياء
التي خُلقت
لتمنح الحياة
مذاقها.
احذروا...
حين يصبح الملح
تجارة،
سيأتي يومٌ
تصير فيه
القلوبُ أيضًا
بضاعةً على الرفوف،
ويصبح السؤال:
كم ثمنُ الإنسان؟
وحينها...
لن يكون البحرُ
مالحًا كما نعرفه،
بل سيكون
مرآةً كبيرةً
تعكس وجوهنا
ونحن نبيع
آخرَ ما تبقّى
من إنسانيتنا.
بقلم: محمد عربي