الخميس، 9 يوليو 2026

Hiamemaloha

حرمان / ق.ق للكاتب طارق الحلواني

 حرمان       ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

في الأربعين، كان يعرف كيف يربح صفقة بملايين الجنيهات..

ولا يعرف كيف ينتصر في معركة يخوضها وحده.

وقفت أمامه امرأة يليق بها أن تُرسم أكثر مما تُوصف. لم تكن متكلفة في جمالها؛ كان يكفي أن ترفع عينيها نحوه ليشعر أي رجل أنه صار الرجل الوحيد في العالم. انساب عطرها في الجناح الهادئ، ثم خلعت معطفها ببطء، وجلست على طرف الأريكة، تراقبه بابتسامة صغيرة لا تخلو من الثقة.

اقتربت.

وضعت كفها فوق كفه.

دفء أصابعها كان يكفي لإيقاظ حجر..

لكنه لم يوقظ فيه شيئا.

رفع رأسه إليها.

كانت أجمل مما تخيل.

وكان أبعد ما يكون عنها.

مدت يدها تتحسس وجنته برقة.

ابتسمت.

انتظرت.

ثم انتظرت أكثر.

كانت تسمع أنفاسه المضطربة، وترى الهزيمة تتسلل إلى عينيه قبل أن تصل إلى جسده.

سحبت يدها في هدوء، وارتدت معطفها.

وقبل أن تغادر قالت، دون أن تنظر إليه:

ـ لا تعتذر.. بعض الجراح لا يراها أحد.

ظل واقفا حتى اختفى وقع كعبيها في الممر.

ثم اتجه إلى المرآة.

لم يرى الرجل الذي تتحدث عنه المجلات الاقتصادية.

ولم يرى البدلة المفصلة بعناية، ولا الساعة التي يساوي ثمنها عمرا كاملا لرجل بسيط.

رأى ندبة صغيرة أسفل عينه اليسرى.

مد إصبعه إليها.

فإذا بالزجاج يختفي..

ويعود وجه آخر.

وجه طفل.

كانت الحارة، مع الغروب، تبدو كأنها تستسلم لليل قبل أوانه.

مياه آسنة تسيل بمحاذاة الجدران، وأسلاك كهرباء تتدلى فوق الرؤوس، وبخار عربات الفول يمتزج برائحة الحشيش الرخيص، بينما تتشاجر الكلاب والقطط على أكوام القمامة،ويتشاجر الأطفال على كسرة خبز.

كان واحدا منهم.

حافي القدمين.

يجمع سرواله بحبل خشن التف حول خصره مرات عدة، وقميصه، الذي ورثه عن طفل لا يعرفه، يتدلى حتى ركبتيه.

كان أبوه قد مات في السجن وهو لم يتجاوز الثالثة.

لم يترك له صورة..

ولا حكاية.

ترك له اسما يخفض الناس أصواتهم كلما ذكروه.

أما أمه، فكانت تغادر البيت مع آخر خيط للشمس.

تخرج صامتة.

وتعود صامتة.

وفي يدها كيس ورقي صغير.

عدة ارغفة ..

وأحيانا قطعة جبن.

وأحيانا علبة فول.

وأحيانا لحم.

كانت تدفع الطعام إليه، ثم تجلس إلى الجدار، تمسح عن وجهها ما تبقى من مساحيق التجميل، وتغلق عينيها كأن الليل استنفدها.

لم يسألها يوما أين كانت.

وكانت تعرف أنه لن يسأل.

كبر عاما..

ثم عاما آخر.

وصار يسمع همسات النساء إذا مرت أمه.

ويرى الرجال يرمقونها بنظرات لم يفهمها أول الأمر.

وحين فهمها..

تمنى لو لم يكبر.

في صباح شتوي، استيقظ على صمت غير مألوف.

الفراش خالى.

والغرفة أبرد من العادة.

انتظرها حتى المساء.

ثم حتى الليلة التالية.

لم تعد.

في اليوم الثالث، كان الجوع قد صار حيوانا ينهش أحشاءه.

قلب الغرفة بحثا عن أي شيء.

كسرة خبز يابسة.

بصلة ذابلة.

حفنة ملح.

لم يجد.

خرج يتعثر في خطواته.

وعند المقهى، سمع رجلين يتحدثان عن حملة قبضت على عدد من نساء الليل.

أحدهما ضحك.

والآخر سب الحكومة.

أما هو..

فأكمل سيره.

كان يعرف أن أمه لن تعود تلك الليلة أيضا.

مر أمام المخبز.

خرج رجل يحمل أرغفة ساخنة، فاندفع البخار في وجهه.

أغمض عينيه.

كانت الرائحة وحدها تكفي لتؤلمه.

واصل السير حتى توقف أمام مسمط شعبي.

جلس رجل إلى جوار زوجته وطفليه.

رفع الصغير ذراعيه، فضحك الأب، وقطع له لقمة صغيرة، نفخ فيها حتى بردت، ثم وضعها في فمه.

ظل يحدق في المشهد طويلا.

لم يشته قطعة اللحم فقط..اشتهى اليد التي ناولتها.

خفض رأسه، ومشى.

بعد خطوات قليلة، استوقفه رجل لم يره من قبل.

كان يحمل كيسا ورقيا، تنبعث منه رائحة خبز طازج.

ابتسم له ابتسامة واسعة، وأخرج رغيفا لا يزال دافئا.

وقال:

ـ تعال يا بطل..

النهارده هتاكل لحد ما تشبع.

ظل الطفل ينظر إلى الرغيف..

ثم خطا خلف الرجل.

خطوة واحدة..

غيرت عمرا كاملا.

لم يكن للخرابة باب..

مجرد جدران متآكلة، وسقف انهار نصفه، وأشواك نبتت بين الحجارة.

دخل خلف الرجل.

كانت عيناه معلقتين بالرغيف.

ولم يلتفت إلى شيء آخر..

خرج مع أول ضوء للفجر.

كانت ملابسه ممزقة، وقدماه تغوصان في التراب كأنهما لا تعرفان الطريق.

لم يبك.

كان البكاء يحتاج إلى طفل..

وهو لم يعد كذلك.

حاول أن يسرع.

تعثر في حجر، فسقط على وجهه.

شعر بحرارة الدم تسيل أسفل عينه اليسرى.

نهض، ومسحها بكم قميصه.

ثم أكمل السير.

كانت أمه جالسة على الأرض حين دخل.

رفعت رأسها.

حدقت في قميصه الممزق.

وفي الدم اليابس على وجهه.

قامت نحوه.

لم تسأله شيئا.

غسلت وجهه في طشت صغير.

وكلما اقتربت من الجرح، ارتعش جسده.

توقفت.

رفعت عينيها إلى عينيه.

رأت فيهما خوفا لم تره من قبل.

أخفضت رأسها.

وأكملت غسل الدم.

بعد دقائق، وضعت أمامه الأرغفة التى اعتادت أن تعود بها.

ظل ينظر إليها طويلا.

ثم دفعهما بعيدا.

في تلك الليلة..

بكت هي.

ولم يبك هو.

تغيرت أحواله كما تتغير الفصول.

حمل الطوب.

ودفع العربات.

وغسل السيارات أمام شركة كبيرة للاستيراد والتصدير.

كان يراقب الموظفين من خلف الزجاج.

يتأمل الحروف على الأوراق كما يتأمل الجائع الطعام.

وحين صار ساعيا داخل الشركة، اكتشف أن جهله أثقل من الفقر.

اشترى كراسة صغيرة، وقلما رخيصا.

وفي المساء، جلس تحت عمود إنارة يتعلم الهجاء على يد بائع جرائد عجوز.

كان يقرأ اللافتات في الطريق، ويتهجى عناوين الصحف، ويكتب اسمه عشرات المرات حتى استقام.

ثم تعلم الحساب..

ثم التجارة.

كان صاحب الشركة يراقبه في صمت.

رأى فيه ما لم يره في أبنائه.

وحين أقعده المرض، سلمه مفاتيح الشركة.

وبعد رحيله، لم يرث الأبناء سوى الاسم.

أما هو، فقد ورث التعب.

اقترح أن يدير الشركة مقابل حصة من الأرباح.

وافقوا.

وبمرور الأعوام، اشترى حصة هذا..

ثم حصة ذاك..

حتى صار الاسم على اللافتة..

اسمه.

وكان الناس يقولون بإعجاب:

ـ رجل عصامي.

فيبتسم..

ويمضي.

عاد إلى المرآة.

لم تكن الندبة الصغيرة قد تغيرت.

مرر إصبعه فوقها.

فعادت إليه رائحة الطين.

ورائحة الخبز الساخن.

وصوت أمه وهي تغلق الباب الخشبي المتهالك كل ليلة.

وتذكر الرجل الذي أطعم ابنه بيده.

أدرك، بعد أربعين عاما، أنه لم يكن يحسد الطفل على اللقمة..

بل على الأب.

رن الهاتف.

عرف أنها هي.

تركه يرن.

وأطفأ الشاشة.

وقف أمام النافذة.

كأن المدينة كلها تحت قدميه.

ابتسم.

ابتسامة رجل وصل متأخرا إلى كل شيء.

أغمض عينيه.

وتخيل لو خيروه الآن..

بين الشركة، والمال، وكل ما جمعه خلال عشرين عاما..

وبين أن يعود ذلك الطفل الجائع، الحافي، النائم على كرتونة، على أن يتوقف الزمن قبل أن يدخل الخرابة بخطوة واحدة..

لاختار الطفل٠


طارق الحلوانى

يونيو ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :