فوق السحاب ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كان أبوه ضابطا في الجيش.
في بيتهم، لكل شيء مكان وموعد. الحذاء إلى جوار السرير، البطانية مشدودة بلا ثنايا، الإفطار في السابعة، والغداء في الثالثة. حتى الشباك كان له موعد؛ يُفتح صباحا ويُغلق قبل النوم.
كان أبوه يعود من عمله، يخلع حذاءه عند الباب، يضعه في مكانه، ثم يمر بعينيه على الغرفة.
ـ سريرك.
فيقوم مروان بتعديله.
ـ الشباك.
فيغلقه.
كان يحب أباه، ويعرف أنه رجل مستقيم لا يقصد إلا أن يربيه كما تربى هو. لكن شيئا في داخله كان يضيق كلما سمع كلمة "لازم".
وحين ينام أبوه، كان مروان يعيد فتح الشباك.
يجلس على حافته، يضع ذقنه فوق ساعديه، وينظر إلى الشارع.
لم يكن يفعل شيئا.
فقط يتنفس.
كان يشعر أن الدنيا، خلف ذلك الشباك، أوسع من البيت.
كبر مروان، وكبر معه ذلك الإحساس.
لم يصبح متمردا، ولم يخرج عن النظام. التحق بوظيفة حكومية، يحضر في موعده، ينهي عمله، ويغادر في هدوء. لكنه كان يكره الأسئلة التي تبدأ بـ "ليه" وتنتهي بـ"إمتى؟".
كان يرى في كثرة الأسئلة بداية قيد.
في الإدارة، لم يكن أحد يعرف ذلك.
بالنسبة إلى زملائه، كان موظفا هادئا، قليل الكلام، يشرب قهوته ببطء، وأحيانا يسرح بعينيه في النافذة كأن شيئا في الخارج يناديه.
أما سلمى فكانت تجلس أمامه.
لم تكن أكثر نساء المكتب جمالا، لكن مروان كان يلاحظها بطريقة لا يلاحظها بها الآخرون.
خصلة شعر تفلت من مشبكها حين تنحني فوق الأوراق.
طريقة إمساكها بالقلم.
ضربات الملعقة الخفيفة داخل كوب الشاي.
ذات صباح رفعت رأسها فجأة، فوجدته ينظر إليها.
ـ هو أنا عندي حاجة غريبة؟
ارتبك.
ـ ليه؟
ـ عشان إنت بتبص لي.
ابتسم.
ـ يمكن عشان بحب أشوفك.
ضحكت.
ـ وبعدين؟
هز كتفيه.
ـ مفيش بعدين.
عادت إلى أوراقها، لكن الجملة ظلت معها.
بعد أيام أعلنت الإدارة عن رحلة للعاملين.
امتلأ المكتب بالكلام عن الأتوبيس والطعام وموعد العودة.
لم يهتم مروان كثيرا.
حتى سمع اسم سلمى بين المسجلين.
رفع رأسه.
ثم ذهب وسجل اسمه.
في صباح الرحلة، جلست سلمى إلى جوار النافذة.
صعد مروان، بحث عن مقعد، فوجد المكان الوحيد الفارغ بجوارها.
توقف لحظة.
ثم جلس.
تحرك الأتوبيس.
تراجعت المدينة خلف الزجاج: عمارات، محال، إشارات، ثم شوارع أوسع.
قالت سلمى وهي تنظر إلى الطريق:
ـ إنت مبسوط؟
ابتسم.
ـ مستني الرحلة دي من زمان.
ـ ليه؟
نظر من النافذة.
ـ عشان الطريق لما يفضى.. الواحد بيعرف يتكلم.
نظرت إليه.
ولم تعرف لماذا شعرت أن الرحلة بالنسبة إليها بدأت قبل أن يصلوا إلى أي مكان.
خرج الأتوبيس من زحام المدينة.
اختفت العمارات، وامتدت الأرض على الجانبين. في المقاعد الخلفية ارتفعت الأغاني والضحكات، وانفتحت أكياس الطعام قبل موعدها. أحد الموظفين كان يوزع زجاجات المياه، وطفل يصر على الوقوف في الممر كلما أجلسته أمه.
ظلت سلمى تنظر من النافذة.
قالت:
ـ إنت فعلا غريب.
ابتسم مروان.
ـ ليه؟
ـ بحس إنك موجود معانا، بس دماغك في حتة تانية.
نظر إلى الطريق.
ـ يمكن عشان أنا طول عمري بحاول أهرب.
ـ من إيه؟
ـ من كلمة "لازم".
ضحكت.
ـ للدرجة دي؟
سكت قليلا.
ـ أبويا كان ضابط جيش. كل حاجة عنده لها وقت ومكان. السرير يتظبط، الجزمة تتلمع، النوم له ميعاد، والخروج له ميعاد.
ثم ابتسم:
ـ حتى الشباك كان له ميعاد.
ـ الشباك؟
ـ أيوه. كان بيقفله قبل ما ينام.
نظرت إليه.
ـ وإنت؟
ـ كنت أفتحه بعد ما ينام.
ضحكت.
ضحك معها.
ـ وأقعد أبص للشارع.
ـ بتعمل إيه؟
ـ ولا حاجة.
ثم أضاف:
ـ بس كنت بحس إن الدنيا أكبر من البيت.
سكتت سلمى.
لم يكن يحكي عن أبيه بحقد. كان يتحدث عنه كما يتحدث المرء عن شيء قديم مازال يسكنه.
بعد ساعة، توقف الأتوبيس في استراحة.
نزل الموظفون دفعة واحدة. أصوات أبواب السيارات، ضحكات، أكواب قهوة، وأكياس تتفتح.
وقف مروان أمام الكشك ثم عاد بكوبين.
ناولها أحدهما.
ـ معلقة واحدة سكر.
نظرت إليه.
ـ إنت فاكر؟
ـ أنا بفتكر الحاجات الصغيرة.
شربت رشفة.
لم تقل شيئا.
عادا إلى الأتوبيس.
وبعد قليل وصلوا.
كان المكان مفتوحا والهواء أخف من هواء المدينة. انتشر الموظفون في مجموعات صغيرة، وبدأت الصور والضحكات.
ابتعدت سلمى قليلا.
وجدت مروان واقفا أمام البحر.
اقتربت.
ـ مش بتحب الزحمة؟
ـ بحب الناس.
ـ أمال واقف لوحدك ليه؟
ـ عشان أسمع البحر.
نظرت إلى الماء.
ـ وبتسمع إيه؟
قال:
ـ حاجة من غير تعليمات.
ضحكت.
هبت نسمة قوية، فرفعت شعرها بيدها وأعادته خلف أذنها.
نظر إليها مروان.
قالت:
ـ إنت بتبص لي تاني.
ـ أيوه.
ـ ليه؟
ـ عشان المنظر حلو.
خفضت عينيها.
ثم سألته:
ـ هو إنت عمرك حبيت؟
ـ أنا بحب طول الوقت.
ـ أقصد بجد.
فكر قليلا.
ـ أيوه.
ـ وعايز إيه من الحب؟
نظر إلى البحر.
ـ ولا حاجة.
التفتت إليه.
ـ ولا حاجة؟
ـ مش عايز أملك حد، ولا حد يملكني. مش عايز أقول لحد: إنت بتاعتي. ولا أحب حد عشان لازم يبقى معايا.
ـ طب والجواز؟
ـ ممكن.
ـ ممكن إيه؟
ابتسم.
ـ ممكن.. لو ما بقاش قيد.
ظل الصمت بينهما لحظات.
ثم قال:
ـ أنا نفسي أحب واحدة تقدر تقعد جنبي من غير ما تسألني بكرة هنكون إيه. واحدة ما تخافش من إن الحب يتغير. تسيبه ياخد شكله لوحده.
نظرت إليه.
كان يتكلم بهدوء، بلا محاولة لإبهارها.
ثم بدأ يصف المرأة التي يحلم بها.
ضحكتها حين تحاول إخفاءها.
خصلة شعرها حين تنشغل.
طريقتها في الإمساك بالكوب.
صمتها عندما تتعب.
بدأت سلمى تنظر إليه أكثر مما تنظر إلى البحر.
كل تفصيلة كان يقولها تقترب منها.
قالت:
ـ إنت بتتكلم عني؟
نظر إليها.
لم يجب.
لم يحتج إلى الإجابة.
شعرت بدفء يصعد إلى وجهها.
لأول مرة، لم تشعر أنها مجرد موظفة تجلس خلف مكتب.
كانت امرأة يراها رجل من الداخل.
وفي تلك اللحظة، بدا لها أن الكلام يمكن أن يكون مكانا يعيش فيه اثنان.
ناداهم صوت من بعيد:
ـ يا مروان! يا سلمى!
التفتا.
ابتعدت خطوة.
لكنها ابتسمت.
في طريق العودة جلست إلى جواره.
لم يتحدثا كثيرا.
كانت تنظر إليه من وقت لآخر، ثم تعود إلى النافذة.
وحين ظهرت أضواء المدينة، قال مروان:
ـ أجمل حاجة حصلت النهارده إني اتأكدت إن الحاجة اللي كنت بدور عليها موجودة.
نظرت إليه.
انتظرت أن يكمل.
لكنه اكتفى بالابتسام.
توقفت الحافلة أمام مبنى الإدارة.
نزل الجميع.
ومضى كل واحد إلى بيته.
أما سلمى، فظلت طوال الطريق تفكر في كلامه.
كانت تظن أن الرحلة انتهت.
لكن بالنسبة إليها..
كان شيء آخر قد بدأ.
في صباح اليوم التالي، وصلت سلمى إلى المكتب قبل الجميع.
وضعت حقيبتها، رتبت الأوراق، ثم رفعت عينيها إلى الباب.
دخل مروان.
ابتسم.
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور.
انتظرت.
جلس إلى مكتبه، فتح جهاز الكمبيوتر، وبدأ العمل.
ظلت تراقبه من طرف عينها.
ربما ينتظر خلو المكان.
مر الصباح.
ثم جاء الظهر.
لا شيء.
في اليوم التالي، لا شيء أيضا.
وفي الثالث، بدأت تسأل نفسها: ماذا كان يقصد؟
كانت تنتظر خطوة بسيطة.
مكالمة.
دعوة إلى قهوة.
حتى سؤالا عن الرحلة.
لكنه عاد إلى عادته القديمة؛ نظرات هادئة، ابتسامة، وهدوء طويل.
كأن شيئا لم يتغير.
اقتربت منه ذات مرة.
ـ مروان، فاكر كلامنا في الرحلة؟
رفع عينيه.
ـ طبعا.
ـ وبعدين؟
ابتسم.
ـ ولا حاجة. الكلام كان حلو.
عادت إلى مكتبها.
في ذلك اليوم فتحت ملفا وأغلقته أكثر من مرة. كتبت رقما خطأ في جدول، ثم مسحته. وعندما جاء وقت الانصراف، وجدت نفسها واقفة أمام الباب تنتظر أن يناديها.
لم ينادها.
بدأ شيء ما بداخلها يبرد.
لم تكن تريد وعدا كبيرا.
كانت تريد أن تعرف فقط: ماذا يريد منها؟
مرت أيام أخرى.
ثم قالت له:
ـ ممكن نتكلم؟
جلسا في نهاية الممر، قرب نافذة تطل على موقف السيارات.
قالت:
ـ إنت قلت لي كلام كتير في الرحلة.
ـ عارف.
ـ وأنا صدقته.
نظر إليها.
ـ وأنا كنت صادق.
ـ عارفة.
سكتت لحظة.
ـ طيب.. وبعدين؟
ـ وبعدين إيه؟
ـ إحنا إيه؟
خفض عينيه.
ـ إحنا.. اتكلمنا.
خرجت منها ضحكة قصيرة.
ـ بس؟
رفع رأسه.
ـ سلمى، أنا مش عايز أفسد الحاجة الحلوة اللي بينا.
ـ بإيه؟
ـ لما نحط لها اسم.. وميعاد.. والتزامات.
ـ وإنت عايز إيه؟
فكر قليلا.
ـ عايز أفضل أحبك.
ـ وأنا؟
ـ تحبيني.
ـ وبعدين؟
ـ مفيش بعدين.
نظرت إليه طويلا.
ثم قالت:
ـ إنت مش عايز تحبني أنا.
تغير وجهه.
ـ أمال؟
ـ إنت عايز تحب الست اللي رسمتها في دماغك.
سكت.
قالت:
ـ أنا مش صورة يا مروان.
نهضت.
وقبل أن تبتعد قالت:
ـ ولا الحب إن الواحد يفضل يعيش الخيال طول عمره.
مضت.
ظل مروان جالسا.
بعد أسابيع طلبت سلمى نقلها إلى قسم آخر.
لم يسألها لماذا.
عرف من أحد الزملاء أن خطبتها تمت.
في مساء هادئ، بقي مروان وحده في المكتب.
أغلق جهاز الكمبيوتر، وأطفأ المصباح.
لم يبق إلا ضوء الشارع يتسلل من النافذة.
تذكر الرحلة.
الطريق.
البحر.
الهواء.
ضحكتها.
ثم تذكر المرأة التي وصفها يومها.
كانت لا تزال هناك.
لم تتغير.
لم تغضب.
لم تتركه.
كانت كما رسمها تماما.
ابتسم.
ثم توقف.
لأول مرة، لم تعجبه الفكرة.
فتح النافذة.
دخل هواء الليل.
وقف أمامها طويلا.
وتذكر أباه.
السرير المرتب.
الحذاء في مكانه.
الشباك الذي كان يغلقه كل ليلة.
ابتسم ابتسامة باهتة.
طوال عمره كان يهرب من القيود.
لكنه لم ينتبه أنه صنع لنفسه قيدا آخر.
قيدا بلا جدران.
كان لا يزال يحب سلمى.
لكن المرأة التي يحبها..
لم تعد موجودة إلا في خياله.
طارق الحلوانى
أغسطس ٢٠٢٦