الخميس، 26 مارس 2026

Hiamemaloha

مرايا مائلة في حضرة الغياب للدكتورة راوية عبدالله

 مرايا مائلة

في حضرة الغياب


لم تكن الفاجعة في رحيلهم،

بل في حضورٍ مزيّف ارتدوه طويلًا:

كظلٍّ يتقن الوقوف،

لكنه لا يملك دفءَ الاقتراب.


الخسارة بدأت قبل الوداع،

حين خدعتك التفسيرات الرحيمة:

صمتهم انشغالًا، وجفاءهم حياءً،

وغيابهم سفرًا قصيرًا.


كنت تملأ فراغهم بأحلامك،

وتُسمّي وحدتك "مساحة آمنة"،

كي لا تعترف أنك كنت وحدك منذ البداية.


والأقسى:

أنك ظللت تُصلح فيهم ما لم يُعطَب،

وتنحت في صخر لا يلين،

وتكتب على ماءٍ لا يحتفظ بشيء.


منحتَهم فترقرق في فراغٍ بلا قاع،

ومشيتَ نحوهم فابتلعتك أرضٌ لا تعيد أثرًا.

وما أقسى أن تحفر بئرًا في صحراء لا تمطر،

أو تنتظر العطاء من جدارٍ لا يملك شيئًا.


لم يكونوا بابًا، بل جدارًا يُرهق الجباه.

لم يكونوا مأوى، بل فراغًا يُطفئ الأسئلة.


الحقيقة الأعمق:

أنهم لم يكونوا كما رأيتهم،

بل كما أحببت أن تراهم.

أنت من منحهم الحضور وهم غياب،

وألبستهم العمق وهم سطح،

وأعطيتهم الوزن وهم ظلال.


الخسارة الحقيقية:

أن تهب عمرك لمن لا يعرف قيمته،

وتبقي النافذة مفتوحة لمن لا يريد الدخول.

أن يراك حين يحتاج، ولا يراك حين تحتاج أن تُرى،

وأن يشعر بك فقط حين تغيب،

وكأن حضورك لم يكن كافيًا ليلتفت.


وفي لحظة صدق عارية، تدرك:

أنك لا تخسر من رحل،

بل من تمسّكت به وهو راحل منذ البداية.


فليس كل جالس إلى جوارك كان معك،

ولا كل من ملأ مساحة في حياتك كان جديرًا بها.

ربما كانوا مرايا مائلة، أظهرت لك ما أردت تصديقه،

أو دروسًا قاسية تنكرت في هيئة بشر.


لا تبكِ على من رحل،

بل ابكِ على النسخة منك التي ظنته يستحق البقاء،

وعلى عمر انحنى على جدار لا يُرجع صدى،

وقلبٍ أرهق نفسه في باب بلا مفتاح.


الخسارة لم تكن في ذهابهم،

بل في بقائهم أكثر مما ينبغي.

كانوا سرابًا، وأنت من صدّقه واحة.


وحين رحلوا، لم يأخذوا شيئًا حقيقيًا،

بل أعادوك إلى نفسك مجردًا من الوهم.

وأي اكتشاف أقسى من أن تدرك أنك كنت تحب

غيابًا يتكئ على هيئة حضور؟


✍🏻 د. راوية عبدالله 🇾🇪

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :