"موطنٌ خفيّ"
ثمّة صقيعٌ لا تهبط به السماء، بل يتكوّن بصمتٍ في المسافة التي يبتعد فيها الإنسان عن نفسه.
قد تضيق بك الأرض وأنت بين من يحبّونك، لا لأن القلوب من حولك شحيحة، بل لأن في داخلك غرفةً أُغلقت منذ زمن، وما عاد أحدٌ يملك مفتاحها سواك.
هناك يقيم ذلك الكائن الذي يشبهك قبل أن تُثقلك الخيبات؛ لا يطلب نجاةً من العالم، بل أن تلتفت إليه أخيرًا، كما يلتفت المسافر إلى بيته بعدما أرهقه الترحال في خرائط لا تقود إلى الوصول.
ولعلّ أكثر ما يُنهك الروح ليس الجرح، بل محاولتها الدائمة أن تُنكر ملامحه.
نحمل آلامنا كما يحمل الغريب اسمًا لا يجرؤ على النطق به، ثم نتعجّب من ثقل الخطى ومن ارتباك القلب كلما مرّت به الذكرى.
نخاصم هشاشتنا كأنها دخيلة علينا، مع أنها أول ما وُلد معنا، وأصدق ما بقي فينا.
وما لا نُصالحه في أعماقنا لا يغادرنا؛ إنه يبدّل هيئته فقط، فيخرج من بابٍ كلما أوصدناه، ويمكث في الظل حتى نظنّ أن الظل هو وجهنا الحقيقي.
غير أنّ النفس لا تطلب معجزة، بل مساحةً لا تُدان فيها بما شعرت، ولا تُعاقَب فيها لأنها تعبت. وما إن تجد تلك السعة حتى تبدأ الأشياء في استرداد أسمائها الأولى.
عندئذٍ لا يعود الضعف شقًّا في الجدار، بل يصير نافذةً يرى الإنسان منها اتساعه الذي غفل عنه طويلًا، وتغدو الندوب تضاريسَ خبرةٍ حفرتها الأيام في الروح، لا شقوقًا تُهدّدها بالانهيار.
فالذي يقسو على نفسه لا ينجو من ألمه، بل يضاعف غربته؛ لأن القلب لا يشفى إذا انتصر على ذاته، وإنما إذا كفّ عن معاملتها كخصم.
وحين يجرؤ المرء على أن يعود إلى نفسه بلا دفاعٍ ولا اعتذار، يكتشف أن الطمأنينة لم تكن تنتظره في ذراعٍ أخرى، بل كانت جالسةً في الداخل منذ البدء، صامتةً كنبعٍ لا يفيض إلا لمن ينحني إليه.
عندها لا يتغيّر العالم، وإنما تسقط عنه الهيئة التي نسجها الخوف، ويغدو كل ما في الخارج أقل قدرةً على زعزعة ما استقام في الداخل.
فليس أشدَّ وحدةً من قلبٍ يفرّ من نفسه، ولا أعمقَ أمانًا من قلبٍ وجد أخيرًا الشجاعة ليقيم فيها، لا ضيفًا عابرًا، بل وطنًا لا يغادره.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪
#راوية #رورو #حديث_الروح #صوت_داخلي #لغة_القلب #بوح_أنثى #أفكار_عميقة #نبض_الكلمات #خربشات_وجدانية #تأملات #عبّر_بصدق