معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل الثامن: المدينة المنوّرة... ميلاد المجتمع الجديد
مقدمة وجدانية
ما إن وطئت أقدام المهاجرين أرض المدينة، حتى بدأت
صفحة جديدة من تاريخ الإنسان.
لم تكن المدينة مجرد مكانٍ آمنٍ فرّ إليه المؤمنون من أذى
مكة، بل كانت أرضاً ستشهد ولادة مجتمعٍ مختلف؛ مجتمعٍ لا
يكون فيه الإنسان أسيراً لنسبه، ولا مقياسُه ماله، ولا كرامتُه بقوة قبيلته.
كان المهاجر قد ترك خلفه بيتاً ومالاً وأرضاً وذكريات، وكان
الأنصاري ينتظره بقلبٍ مفتوح.
وهنا حدث شيءٌ عظيم:
تحولت الأخوة من كلمةٍ تُقال إلى سلوكٍ يُعاش
.
لم يعد السؤال: من أي قبيلة أنت؟
بل أصبح السؤال: كيف نصون الإنسان ونحفظ حقه؟
وبُني المسجد، فلم يكن حجارةً وسقفاً فحسب، بل كان قلب
المجتمع الجديد؛ فيه تُصلّى الأرواح قبل الأجساد، وفيه
يتعلم الناس، ويتشاورون، ويتعارفون، وتلتقي فيه قلوبٌ كانت متفرقة.
وفي المدينة بدأت الرسالة تُظهر وجهها الاجتماعي كاملاً.
الفقير له حق، واليتيم له حرمة، والجار له مكانة، والمرأة لها
كرامة، والضعيف له حماية، والمال أمانة، والعهد مسؤولية.
لقد انتقلت الرسالة من مرحلة إنقاذ الفرد إلى مرحلة بناء الجماعة.
ومن هنا بدأت الحضارة.
فالحضارة لا تبدأ من الحجر، وإنما تبدأ من الإنسان.
أبيات الفصل
أَتَيْنَا طَيْبَةَ وَالأَحْزَانُ تَحْمِلُنَا
وَفِي القُلُوبِ مِنَ التَّرْحَالِ أَوْجَاعُ
تَرَكْنَا الدِّيَارَ وَمَا فِي الدَّارِ مِنْ أَثَرٍ
إِلَّا حَنِينٌ بِأَعْمَاقِ الحَشَا سَاعُ
فَجَاءَ أَهْلُ طَيْبَةَ وَالقُلُوبُ لَهُمْ
بِالحُبِّ تَفْتَحُ أَبْوَابًا وَأَضْلَاعُ
وَقَالَ أَنْصَارُهَا: أَهْلًا بِإِخْوَانِنَا
فَمَا لَنَا فِي سَبِيلِ اللهِ أَطْمَاعُ
تَقَاسَمُوا الخُبْزَ وَالأَمْوَالَ فِي كَرَمٍ
حَتَّى غَدَا الإِيثَارُ فِيهِمْ لَهُ شَاعُ
فَمَا سَأَلُوا عَنْ نَسَبٍ وَلا وَطَنٍ
وَلَا سَأَلُوا: أَهَذَا حُرٌّ أَمْ تَابِعُ
تَآخَتِ الأَرْوَاحُ بَعْدَ الفُرْقَةِ الَّتِي
أَضْنَتْ قُلُوبًا وَفِي أَحْشَائِهَا صِرَاعُ
وَبُنِّيَ المَسْجِدُ فِي أَرْضِ المَدِينَةِ مَنْ
لِلرُّوحِ فِيهِ سَكِينَةٌ وَإِشْعَاعُ
فِيهِ الصَّلاةُ، وَفِيهِ العِلْمُ مُجْتَمِعٌ
وَفِيهِ لِلْفَقْرِ وَالمَحْرُومِ إِسْعَافُ
وَفِيهِ يَلْتَقِي الغَنِيُّ بِمَنْ فَقَرَتْ
يَدَاهُ، فَلَا بَيْنَهُمْ كِبْرٌ وَأَطْمَاعُ
وَأَصْبَحَ الجَارُ ذَا حَقٍّ يُصَانُ لَهُ
وَصَارَ لِلضَّعْفِ فِي أَحْكَامِهِ دِفَاعُ
وَصَارَ لِلْيُتْمِ قَلْبٌ لَا يُهَانُ بِهِ
وَلِلْمَرَاةِ مِنَ التَّكْرِيمِ أَوْضَاعُ
وَصَارَ مَالُ الفَتَى أَمَانَةً وَهُدًى
لَا مَطْمَعًا يَسْتَبِدُّ فِيهِ طَمَّاعُ
وَصَارَ عَقْدُ العُهُودِ حُرْمَةً وَمَسَارًا
وَلَا يُنْقَضُ العَهْدُ إِذْ هُوَ مِيثَاقُ
وَكَانَ بَيْنَ أَهْلِ المَدِينَةِ نَهْجُهُمُ
أَنْ يَحْفَظُوا الحَقَّ، فَالتَّقْوَى لَهَا سَطْعُ
وَمَا بَنَوْا أُمَّةً بِالسَّيْفِ مُبْتَدِئِينَ
بَلْ بَنَوْا القَلْبَ حَتَّى صَحَّ أَخْلَاقُ
فَإِنَّ أَوَّلَ بُنْيَانٍ لِحَضَارَتِنَا
إِنْسَانُهَا، ثُمَّ عِلْمٌ فِيهِ إِبْدَاعُ
وَإِنَّمَا العَدْلُ أَسْرَاسُ الحَيَاةِ إِذَا
صَانَ القَوِيُّ ضَعِيفًا وَهْوَ مِرْدَاعُ
وَإِنَّمَا الأُمَّةُ الكُبْرَى إِذَا اجْتَمَعَتْ
عَلَى مَبَادِئِهَا، لَا حَوْلَ أَطْمَاعُ
فِي طَيْبَةَ اخْتَبَرَ الإِسْلَامُ مَنْهَجَهُ
فَصَارَ فِي النَّاسِ تَطْبِيقٌ وَإِشْرَاعُ
وَمِنْ مَدِينَةِ خَيْرِ الخَلْقِ قَدْ بَدَأَتْ
فِي الأَرْضِ أُمَّةُ حَقٍّ لَيْسَ تُخْدَعُ
تَمْشِي بِهَدْيِ نَبِيٍّ لا يُسَاوِمُ فِي
حَقٍّ، وَيَرْحَمُ مَنْ فِي قَلْبِهِ وَجَعُ
فَصَارَ بَعْدَ ظَلَامِ الجَهْلِ مُجْتَمَعٌ
فِيهِ الأَخُوَّةُ وَالإِيمَانُ وَالوَرَعُ
خاتمة الفصل
وهكذا بدأت المدينة تكتب أول سطور المجتمع الجديد.
لم تكن المعجزة في أن قوماً تركوا مكة ووصلوا إلى المدينة؛
بل كانت المعجزة في أن قلوباً متفرقة استطاعت أن تصبح أمةً واحدة.
كان المهاجر قد ترك ماله، فوجد أخاً.
وكان الأنصاري قد فتح داره، فوجد أخاً.
وكان المسجد يجمع الجميع، فلا يسأل عن لونٍ ولا نسبٍ ولا ثروة، وإنما يجمعهم على عبادة الله وبناء الإنسان.
وهنا يتضح لنا أن الرسالة المحمدية لم تأتِ لتغيّر العقيدة فقط، بل جاءت لتعيد ترتيب الحياة كلها:
علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبأخيه، وبجاره، وبماله، وبمجتمعه.
وبهذا انتقلنا من مجتمعٍ كان السيف فيه يحمي القبيلة، إلى مجتمعٍ بدأ العدل فيه يحمي الإنسان.
لكن بناء الأمة لم يكن سهلاً.
فالمدينة لم تكن معزولةً عن صراعات الجزيرة، وكانت قوى كثيرة تراقب هذا التحول الجديد.
وسيأتي وقتٌ يُختبر فيه هذا المجتمع الوليد، ويُختبر معه معنى الصبر والثبات والدفاع عن الحق.
ومن هنا نمضي إلى فصل جديد:
الفصل التاسع: بدر... حين انتصر اليقين على الخوف
هناك سنقف أمام أول امتحانٍ كبير للأمة الناشئة، ونرى كيف واجه القليلُ الكثير، وكيف كان النصر في بدايته نصراً للإيمان والثبات قبل أن يكون نصراً في الميدان.
التوقيع الشعري
أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ
نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس