معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل العشرون؛ الجزء التاسع
حين تتحول الحياة إلى رسالة
مقدمة وجدانية
ليس كل من عاشَ عرفَ لماذا يعيش.
قد تمتلئ الأيام بالأعمال، وتتعاقب السنوات، وينشغل الإنسان بطلب الرزق، وبناء البيت، وتربية الأبناء، ومواجهة متاعب الحياة، ثم يصل إلى لحظةٍ يسأل فيها نفسه:
إلى أين كانت كل هذه الخطوات؟
فالحياة قد تصبح مزدحمةً إلى درجةٍ تجعل الإنسان ينسى غايتها.
وقد ينشغل بما يجب أن يفعله كل يوم، حتى ينسى أن يسأل عمّا ينبغي أن يفعله في حياته كلها.
وهنا تظهر قيمة الرسالة.
فالرسالة ليست بالضرورة مشروعًا عظيمًا يراه الناس، ولا منصبًا يحمل اسمًا كبيرًا، ولا طريقًا واحدًا يصلح للجميع.
قد تكون الرسالة في أن تكون أبًا صالحًا.
وقد تكون في أن تعلم علمًا نافعًا.
وقد تكون في أن تداوي جرحًا.
وقد تكون في أن تكتب كلمةً توقظ وعيًا.
وقد تكون في أن تقف مع مظلوم.
وقد تكون في أن تترك وراءك أبناءً يعرفون معنى الصدق والكرامة.
فالرسالة ليست دائمًا شيئًا نبحث عنه بعيدًا؛ أحيانًا تكون مختبئةً في أبسط الأشياء التي نفعلها كل يوم.
والإنسان حين يكتشف رسالته، لا تعود حياته مجرد سلسلةٍ من الأيام المتشابهة.
يصبح للوقت معنى.
وللتعب معنى.
وللصبر معنى.
حتى المحن قد تتحول إلى دروسٍ تخدم الطريق.
فالذي يعرف لماذا يمشي، يستطيع أن يتحمل وعورة الطريق أكثر ممن يمشي بلا غاية.
القصيدة
إنَّ الحياةَ إذا ما ضاعَ مقصدُها
صارتْ من الأيامِ تكرارًا بلا أثرِ
نمضي ونحسبُ أنَّ العمرَ ممتدٌ
حتى يفاجئَنا الميعادُ في سفرِ
فاسألْ فؤادَكَ: ماذا كنتَ تصنعُ في
هذا الوجودِ، وما معنى الذي عمُرِ؟
هل كنتَ تجمعُ أشياءً وتتركُها
أم كنتَ تبني من الإنسانِ ما يَسِرِ؟
إنَّ الرسالةَ ليستْ في مناصبِنا
ولا الأسماءِ ولا ما زُيّنَ من صورِ
قد تكونُ في يدٍ تمسحُ دمعةً
أو كلمةٍ تهدي الحائرَ الحذرِ
وقد تكونُ في أبٍ يزرعُ القيمَ في
أبناءِهِ، فيرى فيهم ثمرةَ العمرِ
وقد تكونُ في معلّمٍ أضاءَ لمن
يمشي طريقَ العلومِ أولَ البصرِ
وقد تكونُ لقلمٍ صانَ ذاكرةً
من الضياعِ، وأبقى الحقَّ في السِّيَرِ
وقد تكونُ لمن صانَ الضميرَ ولم
يبعْ مبادئَهُ في سوقِه العابرِ
فالمرءُ إن عرفَ المعنى الذي خُلِقَ الـ
سعيُ لهُ، هانَ عليهِ بعضُ ما يعسرُ
والوقتُ يصبحُ أثمنَ حينَ نعرفُ ما
نريدُ أن نتركَ في أيامِنا الأُخرِ
فاجعلْ حياتَكَ رسالةً، فإنَّ بها
يعلو المسيرُ، ويصفو الغرضُ والفكرُ
لا تنتظرْ أن تكونَ مشهورَ سيرةٍ
يكفيكَ أن يظلَّ الخيرُ في الأثرِ
إنَّ الرسالةَ صدقٌ في مسيرتِنا
لا أن نرى اسمَنا في أولِ الخبرِ
خاتمة الجزء
وهكذا يتعلم الإنسان أن الرسالة ليست شيئًا يعلقه على حياته من الخارج، وإنما معنى يمنح حياته اتجاهًا.
وقد لا يكتشف الإنسان رسالته مبكرًا.
قد يمر بسنواتٍ من البحث، والتجربة، والخطأ، والتردد، قبل أن يدرك ما الذي يريد أن يتركه خلفه.
وهذا ليس عيبًا.
فالطريق نفسه قد يكون جزءًا من الاكتشاف.
وما مرّ به الإنسان من تجارب، حتى تلك التي ظنها في وقتها ضياعًا، قد يصبح يومًا مادةً لفهم أعمق للحياة.
ولذلك لا ينبغي أن ينظر الإنسان إلى ماضيه كله باعتباره صفحاتٍ ناجحة أو فاشلة.
بعض الصفحات كانت دروسًا.
وبعضها كان تنبيهًا.
وبعضها كان إعدادًا لمرحلةٍ لم يكن يعرف أنها ستأتي.
وحين يجد الإنسان معنى حياته، لا تختفي الصعوبات، لكنه يصبح أقدر على احتمالها.
لأنه لم يعد يعيش من أجل الوصول فقط، بل من أجل أن يكون لما يفعله معنى.
وهنا تبلغ رحلة الإنسان مرحلةً دقيقة:
أن يعيش رسالته دون أن يجعل نفسه محور العالم.
فكل رسالةٍ حقيقية لا تنتهي عند صاحبها، وإنما تتجه نحو الآخرين، ونحو الحياة، ونحو الزمن.
ولهذا فإن الإنسان الذي يعرف رسالته يبدأ في رؤية نفسه شاهدًا على عصره.
لا مجرد عابرٍ فيه.
وهنا يكتمل السؤال:
إذا عشنا في زمنٍ له أفكاره وأزماته وتحولاته، فماذا ينبغي أن نقول عنه حين يأتي من بعدنا؟
تمهيد للجزء العاشر والأخير
سيأتي يومٌ لا يعود فيه الإنسان قادرًا على تغيير ما مضى.
وسيأتي جيلٌ آخر يقرأ زمننا كما قرأنا نحن أزمنة الذين سبقونا.
وسيسأل:
ماذا كانوا يرون؟
ماذا كانوا يؤمنون؟
ماذا فعلوا حين واجهوا التحولات؟
وماذا تركوا لنا؟
وهنا يصل الفصل الأخير إلى محطته الكبرى:
الجزء العاشر والأخير: حين يصبح الإنسان شاهدًا على زمنه.
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس