الاثنين، 5 أكتوبر 2026

Hiamemaloha

للعمر فصول للشاعر عبد الصاحب الأميري

 للعمر فصول،،

بقلم 

السفير عبدالصاحب أميري 

عبدالصاحب الأميري 

-------------

للعمرِ فصولٌ،

وهذا آخر الفصلِ من العمرْ…

فصل لا يشبهُ الفصول،

لا شمس فيهِ تُشبهُ الأمس،

ولا نافذة تُطلُّ على الغد.

أجلسُ وحيدًا

في بيتٍ كان يومًا

أضيقَ من أن يتّسعَ لنا،

وأوسعَ من أن يحتملَ غيابَنا.

كان البيتُ يعجُّ بالأصوات،

خطواتٍ، وضحكات،

أبواب تُفتح،

وأبواب تُغلق،

وصوتُ زوجتي

حين كنتُ أعودُ مثقلًا بيومٍ طويل،

فتقولُ شيئًا صغيرًا

فيهدأُ في داخلي

جيشٌ من العواصف.

الآن…أناديهم.

لا أحد.

أرفعُ صوتي،، كأنّني أخشى

أن يكون الصمتُ قد ابتلعهم إلى الأبد.

فأسمعهم…

لكنّهم لا يأتون.

إنّها الذاكرة،

ذلك الكائنُ الغريب

الذي يسكننا بعد رحيل الذين نحب،

ويتركُ أبوابهم مفتوحة

كي نظلَّ أسرى انتظارهم.

أمدُّ يدي إلى الفراغ،

فلا تقعُ يدي

إلا على الهواء.

وحين أنام،، لا أستيقظ…

إلا إذا جاءني

ذلك الصبي.

ذلك الذي كنتُه

ذاتَ يوم.

يقفُ عند رأسي

ويقول:، انهض…

كفى نومًا.

فأفتحُ عيني،

فلا أجدُه.

كان يأتي

حاملًا على كتفيه

عمرًا لم أعد أملكه.

يأتي من بعيد،

من شارعٍ قديم،

من مسرحٍ غاب عنه الضوء،

من زمنٍ

كنتُ فيه شيئًا يُرى.

كنتُ يومًا

أصعدُ الخشبة،

فتصعدُ معي العيون.

مؤلفًا…

مخرجًا…

وممثلًا.

كنتُ أصنعُ من الكلمات

عوالم،

ومن الصمتِ،، معنى،

ومن جسدِ الممثل

حكايةً تمشي أمام الناس.

كانت الجماهير

تهتفُ باسمي،

والتصفيقُ

يمتدُّ كالموج.

كنتُ أظنُّ

أن الإنسانَ يموت

حين يتوقفُ قلبه.

ولم أكن أعرف

أن الإنسانَ قد يموتُ مراتٍ كثيرة

كلما فقدَ دورًا

كان يظنُّ أنه هو.

اليوم…

أقعُ على الأرض.

ولا تصفقُ لي السماء.

أتألّم.

أحاولُ أن أنهض،

فتخذلني ركبتاي،

ويخذلني جسدي

كما خذلني الزمنُ من قبل.

أبكي…

لا لأنّني سقطت،

بل لأنني أدركتُ متأخرًا

أنّني كنتُ أظنُّ

أن المسرحَ هو الحياة،

وأن التصفيقَ دليلُ الوجود.

يا لهذا الوهم!

كم صفّقوا لنا

ثم عادوا إلى بيوتهم،

وتركوا المسرحَ لنا

وحدنا.

وكم ظننا

أن الضوء الذي فوق رؤوسنا

سيبقى إلى الأبد.

لكن الضوء

لا يعرفُ أسماءنا.

ينطفئ.

وتبقى الخشبة.

وتبقى أنت.

وحيدًا

أمام مقعدٍ فارغ.

أحيانًا

يأتي ذلك الصبي من جديد.

يمسكُ بيدي.

يقول:

تعال…

فتنهضُ بي الذاكرة

أكثر مما ينهضُ بي الجسد.

أرى الجمهور.

أسمعُ التصفيق.

أرى زوجتي

في مكانٍ ما من الحكاية.

أرى أسرتي

تملأ البيتَ حياة.

وأرى نفسي

أركضُ في عمرٍ

لم أكن أعرف

أنه كان يركضُ مني.

ألتفتُ إليه…

فلا أجدُ الصبي.

كعادته…

يستيقظُ معي

ثم يختفي.

كأنه لم يكن.

لكنّني أعرف

أنّه كان هنا.

فهو ليس صبيًا.

إنّه أنا…

قبل أن أعرف

أنّ للزّمن أسنانًا.

ذاتَ مساء،

وقفتُ أمام المرآة.

طويلًا…

حدّقت في وجهي.

سألتها:

من هذا الرّجل؟

لم تجب.

اقتربتُ منها أكثر.

قلت:

أين أنا؟

فأعادت إليَّ وجهي

دون أن تعيد إليَّ

ذلك الذي كان يسكنه.

فهمتُ عندها

أن المرآةَ لا تكذب…

لكنّها أيضًا

لا تقول الحقيقة كاملة.

إنّها تُرينا

ما بقي من الجسد،

ولا تُرينا

ما أخذه الزّمن.

أدمعت عيناي.

ومسحتُ دموعي

كما كنتُ أفعلُ على المسرح

حين كنتُ أمثّل الحزن.

لكن هذه المرّة

لم أكن أمثّل.

للعمر فصول…

وكلّ فصلٍ

يأخذُ شيئًا منا.

في أوّل العمر

يأخذُ منا الطفولة،

وفي منتصفه

يأخذُ منا الأحلام التي لم تتحقق،

وفي آخره

يأخذُ منا الذين أحببناهم.

ثمّ،

حين لا يبقى شيء تقريبًا…

يأخذُ منا

صورتنا عن أنفسنا.

وربّما…

هنا فقط

يبدأ الإنسانُ في معرفة

من يكون.

فأنا لستُ التصفيقَ الذي انتهى،

ولا المسرحَ الذي أُطفئت أنواره،

ولا البيتَ الذي خلا من أهله،

ولا الوجهَ الذي غيّرته السنون.

أنا كلُّ هؤلاء…

وكلُّ ما فقدت.

أنا ذلك الصبي

الذي ما زال يوقظني

من نومي،

وذلك الرّجل

الذي ينتظرُ عودته.

غدًا…

حين ينامُ هذا الجسدُ

ولا يستيقظ،

ربّما يأتي ذلك الصبي

مرةً أخيرة.

لن يقول:

انهض…

بل سيجلسُ إلى جواري،

ويبتسم.

وسأفهم أخيرًا

أنّنا لم نكن شخصين…

كنتُ أنا

في كلِّ مرّة

ظننتُ فيها أنّني فقدتُ نفسي.

وسنمضي معًا…

من خشبةٍ

إلى خشبة،

من عمرٍ

إلى عمر،

حتى تُسدلَ الستارة.

لا تصفيق.

لا جمهور.

لا أضواء.

فقط…

صمتٌ طويل.

وربّما،

في آخر الصمت،

نكتشفُ أنّ الحياة

لم تكن المسرحيةَ التي لعبناها…

بل كانت

ما شعرنا به

خلف السّتار.

للعمرِ فصول…

وهذا آخرُ الفصلِ من العمر.

لكنّني،

للمرّة الأولى،

لا أخافُ الستارة.

فقد تعلّمتُ أخيرًا:

أن النهاية

ليست أن ينطفئ الضوء…

بل أن نعرف

مَن كنّا

قبل أن ينطفئ.

بقلم

السفير عبدالصاحب أميري

عبدالصاحب الأميري

العراق

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :