أرجوان فوضى الشغف والرحيل الغيمي
هل تعرف أرجوان يا سيدي
لا، ليس اسمًا وافدًا من أروقة الدراما التركية الحديثة، بل هو جذرٌ ضاربٌ في القِدم، إنه ذلك اللون الأحمر القاني، الراعش كدم الغزال تمامًا، وعلى سيرة الدراما فقد عاش جيلي بأكمله حالة عشق مُزمن مع (كاسندرا) والحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن حتى أولئك الوقورين الذين يكبروننا سنًا، كانوا يتركون مشاغل الدنيا وينصتون للمسلسل خلف شاشات التلفاز بابتسامة بلاهة لا تُنسى
لكن دعنا من كاسندرا ولنعد إلى أرجوان...
أنا أعرف أرجوان الأولى، طفلةٌ ذات عينين خضراوين كعشب الجنة، ترتسم على خدها غمازةٌ شهية، وتبدو ملامحها كفلقة قمرٍ هبطت للتو، طفلةٌ ستخطو هذا العام أولى خطواتها نحو المدرسة، هذا طبعًا، إن كفّ المعلمون عن اعتصامهم وفُضّت المسألة
وأما أرجوان الأخرى، صبيةٌ غَضّة لم تتجاوز عتبة الصف الثاني الإعدادي، لكنها باختصارٍ موجع غادرتنا ودخلت الجنة
وقبل أن تحزم حقائب الرحيل، خطّت في يومٍ مدرسيّ روتيني نصًا غريبًا، كتبت فيه (أقبلت (لين) نحو الفصل مع رنين الجرس، تحمل ثلاث كراسات مشرعة الأوراق، وقلمين بلا أغطية، وقبعة متمردة لا تناسب الزي المدرسي في شيء تبعثرت منها أوراق ملونة على الأرض، وحين انحنت تلملم شتاتها، أفلتت ابتسامةً ماكرة من زاوية فمها وقالت للجميع صباح الخير، لقد وصلت الفوضى) وفي ختام ما كتبت، أرادت تلك الصبية الصغيرة أن تقرع في عقولنا جرسًا، أن بعض الفوضى، حين تعتصر بالشغف النبيل ويسكنها قلبٌ طيب، تمنح الوجود لونًا أبهى بكثير من رتابة النظام المقيت
أعود الآن لأتأمل هذا الاسم..
لستُ أعني الصغيرة، بل أقصد أرجوان الثانية، أرجوان التي يشبه اسمها تمامًا، رقةٌ متناهية، وإحساسٌ يخدشه الهبوب، ونفسٌ مرهفة يسكنها طابع رومانسي وحسٌ جمالي فائق النقاء
ركّز جيدًا فيما أسردُه لك، وستدرك عمق فجيعتي، لن أُطلعك كيف عبرت أرجوان إلى الجنة، فلن تصدقني إن قلت لك إنها رافقت غيمةً في السماء بتركيز كاتبٍ محترف، تبادلت معها الأسرار، بل واستوت فوق متنها لتغزل من خيالها الخصيب حكاية، لكن الغيمة خذلتها، وأسقطتها كما تسقط حبات المطر الهاطلة، وهكذا برقةٍ متناهية، رحلت أرجوان...
🖊الحسين صبري