وهمُ الاكتمال
ليس ما يُسقط العقل هو الجهل، بل امتلاؤه بما يظنّه نهاية الطريق.
فحين يستقرّ الوعي داخل فكرةٍ واحدة ويمنحها اسم "اليقين"، لا يكون قد وصل… بل يكون قد أغلق النافذة التي كانت تُطلّ على اتساعٍ لم يجرؤ على احتماله.
الطمأنينة التي تولد من إجابةٍ سريعة ليست معرفة، بل هدنة من قلق السؤال؛ والحسم المسبق ليس وضوحًا، بل طريقة هادئة لإسكات ما كان يمكن أن يعيد تشكيل الفهم. وهكذا لا ينشأ الخطأ من غياب المعرفة، بل من امتلاءٍ لا يترك فراغًا للمراجعة.
حين يقيم العقل داخل رأيٍ واحد، يبدأ العالم بالتقلّص دون أن يضيق؛ فالرؤية، لا الواقع، هي التي تفقد رغبتها في الاتساع. ويتحوّل الاطمئنان إلى صلابة، والصلابة إلى جدار غير مرئي، ثم إلى أفقٍ منخفض لا يثير السؤال.
عندها لا يعود الانغلاق موقفًا عابرًا، بل أسلوبَ رؤية، وتصبح الحقيقة أقل حضورًا من الأمان تجاه فكرةٍ مألوفة.
ليس الغباء نقصًا في الضوء، بل انبهارًا به حدّ العمى؛ أن يُظنّ شعاعٌ كافٍ لتعريف النهار، وأن تُغلق السماء لأن نافذةً صغيرة قدّمت تفسيرًا مريحًا للعالم.
العقل لا يتّسع حين يزداد يقينًا، بل حين يسمح لنفسه بالتردّد. فالشكّ ليس انهيار الفكرة، بل المسافة التي تتنفّس فيها لتصبح أعمق. ومن يظنّ أنه انتهى من السؤال، يكون قد بدأ في فقدان القدرة على الفهم.
أما من يعترف بأن الطريق لم يكتمل بعد، فهو وحده من يظلّ العالم مفتوحًا أمامه؛ لأن المعرفة التي لا تتبدّل تتجمّد، واليقين الذي لا يُراجَع يتحوّل ببطء إلى عمى مريح، والوضوح الذي لا يحتمل غيره يصبح قيدًا لا يُرى.
في النهاية، ليس الغباء ظلامًا، بل ضوءًا وحيدًا يرفض الاعتراف بحدوده؛ فيحوّل الامتداد كلّه إلى ظلٍّ له، ثم يطمئن داخل نافذةٍ ضيّقة، مقنعًا نفسه أنه يرى السماء كاملة.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪
#راوية #رورو #حديث_الروح #صوت_داخلي #لغة_القلب #بوح_أنثى #أفكار_عميقة #نبض_الكلمات #خربشات_وجدانية #تأملات #عبّر_بصدق